خطبة عن التوبة في رمضان

خطبة عن التوبة في رمضان
خطبة عن التوبة في رمضان

مقدمة الخطبة

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنَّ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيهُ وخليلهُ؛ من بلَّغ الرِّسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة وكشف الله به الغمَّة.

وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يضلُّ عنها إلَّا ضالٌ هالكٌ، والحمد لله الذي جعل باب التوبة مفتوحا لعباده، وأنزل عليه الكتاب تبصرةً وذكرى لأولي الألباب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المآب وسلم تسليمًا.

الوصية بتقوى الله

عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصِّرة بتقوى الله، فهو القائل في محكم تنزيله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)،[١] وأن لا تلتفتوا بقلوبكم إلَّا إليه -سبحانه وتعالى-،[٢] فاتَّقوا الله ولا تلتقف قلوبكم لغيره، فإن التفتت فالمجاهدة، فما تدري نفسٌ ما تكسب غداً وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت.

الخطبة الأولى

عباد الله، إنَّ من أسماء الله الحسنى العفو والغفَّار، وهذان الاسمان هما صيغة مبالغة وهذا يدلُّ على كثرة المغفرة منه -سبحانه-، ولا يخفى علينا أنَّ الله -تعالى- أمرنا بكثرة الاستغفار والتوبة، فعلينا أن نلزم الاستغفار ونداوم عليه، فهو سهل على اللسان ولكنَّ أجره عظيمٌ.

أخي الكريم، اجعل لك مع الاستغفار منهجيةً ترتِّبها لنفسك فتكثر منه وتستثمر وقتك فيه، فهناك أوقاتٌ مباركة يكثر فيها الأجر ويتضاعف الثواب ومن ذلك شهر رمضان المبارك ففيه البركة والفضل.

وهو شهر الغفران الكثير والعفو الجليل، فلا يخفى علينا أن لشهر رمضان المبارك خصوصية كبيرة، ومن ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه: (مَن صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)،[٣] فكيف به إذا أضاف لصيامه أجراً وهو أجر التوبة النصوح، بل كيف إذا انضم إلى هذا التوبة والرجوع إلى الله تعالى المكفرات الأخرى كقيام رمضان وقيام ليلة القدر، فإن المغفرة تكون متتابعة عليك.[٤]

إخوتي في الله، إن المغبون حقاً هو الذي يمر به شهر رمضان المبارك ويخرج منه صفر اليدين خالي الوفاض لم يستفد منه شيئًا ولم يستغله في التوبة والطاعة والعبادة، فكلٌ فردٍ منا مخطئ وليس منا من هو معصومٌ دون أخطاءٍ وذنوب.[٥]

ونرجو من المولى المغفرة وأن يمحوا عنا خطايانا، وشهر رمضان يعدُّ فرصةً ذهبية للتكفير عن السيئات، ففيه ما يميزه عن بقية الأشهر من السنة؛ ففيه تزداد فرص الطاعة وتتفتح أبواب الجنة وتتصفد الشياطين وتغلق أبواب النار.[٥]

ويكون سكينة وطمأنينةً للمسلمين، وكلُّ هذا يعين المرء على التوبة وأن يسعى للتكفير عن المعاصي والذنوب التي ارتكبها في العام الماضي وفي حياته كاملةً، وقد دعانا الله -عزَّ وجل- للتوبة في قوله -تعالى-: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).[٦]

وبقوله -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّـهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)،[٧] وهذه الدعوة عامةٌ في كل وقت وحين وهي في شهر رمضان أوجب وأولى من غيرها، لفضل هذا الشهر العظيم فهو شهر العتق من النار وشهر الطاعات والصدقات.[٥]

فيا عباد الله، لا تصِرُّوا على المعاصي مهما صغرت أو كبرت، فكلنا مذنب ضعيفٌ أمام ربِّ العباد، فلنستغل هذا الشهر العظيم ولنخفف من أوزارنا ونترك المعاصي والذنوب فنستشعر لذة التوبة ولذة القرب والرجوع إلى الله.

وها هي فرصة محاسبة النفس تلوح لنا في شهر رمضان فلنحرص على عدم تفويتها، فنتذكر ما اقترفناه طيلة العام، فإن كان ما فعلناه خيراً حمدنا الله عليه واستزدنا منه في هذا الشهر المبارك العظيم.[٥]

وإن كان شرَّاً وسوءاً تبنا إلى الله منه واستغفرنا وبذلنا الصدقات والطاعات طمعاً برضى الله ومغفرته وثوابه في هذا الشهر العظيم، ونلتزم بعدم العودة لما اقترفناه من ذنوب ومعاصي، ونصبر على صيامه وقيامه وبذل الطاعات فيه ونتحمل المشقة في الامتناع عن الطعام والشراب والمنكح.[٥]

وهذا صبرنا على ترك المباح فكيف بصبرنا على ترك المحرمات وسوء الكلام من غيبة ونميمة وكذب وغيرها من المعاصي، وبهذا يخرج المسلم منا وقد تدربت نفسه على الصيام عن المعاصي والعادات المحرمة وسوء الاخلاق.[٥]

وإنّ المدخن المدمن على التدخين الذي يظن أنه لا يستطيع تركه والتخلي عنه، لكنه في رمضان يدرب نفسه على تركه، فهو من المفطرات، وإن عزم على التوبة عنه فرمضان هو خير مدرِّب على ذلك، وأمثلةٌ كثيرةٌ أخرى.

وكل من فُتِن بشيءٍ محرمٍ وصبر على تركه في شهر رمضان فمن المقدور عليه أن يصبر عنه في الأشهر الباقية وينجي نفسه من الفتنة والمحظور، وهذا من المستفيدين حقاً من الصيام فقد فقه حقيقة التقوى في الصيام،[٥] فقد قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).[٨]

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وكيف لا يُبشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجِنان؟ وكيف لا يُبشَّرُ المُذنِبُ بغلقِ أبواب النيران؟ كيف لا يُبشَّرُ العاقلُ بوقتٍ تُغلُّ فيه الشياطين؟ من أين يُشبِه هذا الزمان زمان؟".[٩]

إخوتي في الله، شهر رمضان المبارك أشرف الشهور وأزكاها عند الله -تعالى-، وقد جعله ميداناً يتسابق فيه المسلمون لعبادة الله -عز وجل- والتقرب منه بالتوبة والطاعات والقربات والصدقات، فهو شهر تزكية النفوس وتطهيرها من الذنوب والضغائن والأحقاد.

هذا شهر الطاعات وقراءة القرآن والإحسان، فقد جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن فَطَّرَ صائمًا، كان له -أو: كُتِبَ له- مِثلُ أجرِ الصَّائمِ، مِن غيرِ أنْ يَنقُصَ مِن أجرِ الصَّائمِ شيئًا، ومَن جَهَّزَ غازيًا في سَبيلِ اللهِ، كان له -أو: كُتِبَ له- مِثلُ أجرِ الغازي في أنَّه لا يَنقُصُ مِن أجرِ الغازي شيئًا).[١٠]

ومن الطاعات المحمودة فيه أيضاً أداء العمرة فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (عُمرَةٌ في رَمضانَ تَعدِلُ حَجَّةً)،[١١] والتوبة بابها مفتوح وفضلها ممنوح ففي الحديث القدسي:  (قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ، إِنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لكَ على ما كان منكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغَتْ ذنوبُكَ عنانَ السماءِ ثُمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ ولَا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ، لَوْ أَنَّكَ أَتَيْتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثُمَّ لقيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقُرابِها مغفرةً)، وفي حديثٍ آخر: قال الله تبارك وتعالى: (يا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ).[١٢][٩]

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والإيمان، ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

إخوة الإسلام، ها هو رمضان شهر التوبة والغفران قد أقبل، واعلموا أن التوبة افتقار إلى الله وانكسار، واستغفار واعتذار، والتوبة المقصودة هي الشاملة غير الناقصة بأي شكل من الأشكال والتي تقلب حياة الفرد من الظلام إلى النور ومن ضيق القلب إلى انشراحه ومن الخوف وتأنيب النفس إلى اطمئنانها والرضى عنها، فيتوب المكلف عن خطاياه ويزيل عبء الذنب عنه وينتقل من التيه والضياع إلى النور والرشد، فهي فرصةٌ ذهبيةٌ لا يجب تفويتها.[١٣]

إخوتي في الله، التوبة التوبة، لا تحرموا أنفسكم من الشعور بهذه اللذة ولا تظلموها بالبعد عن الله -عز وجل-، فليكن رمضان بداية جديدة لحياة جديدة خالية من المعاصي والذنوب وانطلاقةً راشدة وصفحة جديدة يكون أول ما يكتب فيها هو التوبة والقرب من الله -عز وجل-.[١٣]

الدعاء

  • اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا.
  • اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر.
  • اللهم اجعلنا ممن تتوب عليهم واجعلنا من المحسنين.
  • اللهم اكتب لنا في هذا الشهر من الخير والمغفرة ما أنت أهلٌ له وليس ما نحن أهل له.
  • ربنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وتب علينا وارحمنا.
  • ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
  • سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. سورة آل عمران، آية:102
  2. عبد الرحمن السعدي، كتاب الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات، صفحة 190. بتصرّف.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن ابو هريرة، الصفحة أو الرقم:38، صحيح.
  4. التوبة في شهر رمضان اللجنة العلمية في مكتب الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات (23/5/2019)، "التوبة في شهر رمضان"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 21/2/2022. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث ج ح خ سليمان بن حمد العودة، كتاب شعاع من المحراب، صفحة 154. بتصرّف.
  6. سورة التحريم، آية:8
  7. سورة النور، آية:31
  8. سورة البقرة، آية:183
  9. ^ أ ب صالح المغامسي، القطوف الدانية، صفحة 32.
  10. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن زيد بن خالد الجهني، الصفحة أو الرقم:21676، الشطر الأول من الحديث حسن لغيره والشطر الثاني صحيح.
  11. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم:2808، صحيح.
  12. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم:2577، صحيح.
  13. ^ أ ب أحمد المتوكل، "رمضان شهر التوبة والرجوع إلى الله"، المنبر، اطّلع عليه بتاريخ 21/2/2022. بتصرّف.

16 مشاهدة