خطبة بعنوان رمضان شهر الانتصارات

خطبة بعنوان رمضان شهر الانتصارات
خطبة بعنوان رمضان شهر الانتصارات

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي أوجب علينا الصِّيام، ليرفع عنا الآثام، ويدخلنا الجنَّة بسلام، فمنع عنَّا الشَّراب والطَّعام؛ ليدخلنا الجنَّة بسلام، فنعم المأوى والمقام، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، الذي جعل شهر رمضان شهر القرآن، وشهر الفضيلة والإحسان، وشهر العتق من النِّيران، والفوز بالمنان، وشهر القيام والإيمان، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، خير من صام وصلَّى، وحجَّ وزكَّى، وطاف وسعى.[١]

الوصية بتقوى الله

معاشر المسلمين، أوصيكم ونفسي المقصِّرة، بتقوى الله العظيم، والعمل بكتابه، وسنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأوصيكم بهجر المعاصي والآثام، فإنَّ المعصية شؤمٌ على صاحبها في الدُّنيا وفي الآخره، فاتَّقوا الله حقَّ التَّقوى، قبل أن يأتي يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خلال، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[٢]َ

الخطبة الأولى

هذا رمضان قد أقبل، جاءكم شهر الفضيلة، جاء شهر الحسنات، وشهر الصَّدقات، جاء شهر العتق من النيران، والفوز بالجنان، فاستعدُّوا له، وأظمئوا نهاركم، وأيقظوا ليلكم، فلا حظَّ فيه لمتكاسل، ولا ربح فيه لمتثاقلٍ، هذا شهر تُفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النِّيران، ويصفَّد فيه الشَّيطان.

وفي أوَّل يومٍ من أيَّامه تكثر الخيرات والنِّعم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا ‌بَاغِيَ ‌الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ).[٣][٤]

وقد تكلَّل هذا الشَّهر بالانتصارات والفتوحات، وفي هذا الشَّهر الفضيل انتصر السَّيف الصَّقيل، واندحر الشَّيطان الرَّجيم، فهو ضعيفٌ وهزيلٌ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا ‌رؤي ‌الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ، وَلَا أَحْقَرُ، وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا رِأىَ من يَوْمَ ‌بَدْرٍ، فقِيلَ: وَمَا رَأَى من يَوْمَ ‌بَدْرٍ؟ فقَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ عليه السلام وهو يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ).[٥][٦]

معاشر المسلمين، ما كانت أجمل انتصارات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلَّا في رمضان، وفي ظروفٍ قاهرةٍ مريرةٍ؛ حيث الرمضاء في جزيرة العرب، وحرِّها ولهيبها، ومع التهاب الظمأ، تقدح السيوف بالشَّرر، وتمضي الجيوش حيث يجتمع على المجاهدين، شدَّة الحرِّ، وشدة الظمأ، ووطأة الجهاد، ما يصدُّهم ذلك عن الإقدام، ولا يمنعهم ذلك عن النصرة والظَّفر.

فلله درُّهم من جيل! لو أرادوا أن يزيلوا الجبال من مواضعها لأزالوها، ففي رمضان الكريم انتصر هؤلاء الأسود، انتصروا في بدر الكبرى بالنَّصر الأكبر، وفي رمضان دخل المسلمون مكَّة فاتحين منتصرين، وما صدَّهم جوعهم ولا عطشهم عن الإقدام، بل زادهم عزيمةً وقوَّةً إلى قوَّتهم، ورجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من تبوك في رمضان منتصراً.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: ‌نُصِرْتُ ‌بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)،[٧] إنَّ هؤلاء الجوعى والعطاش أرعبوا جيوش قيصر في الشَّام.

معاشر المسلمين، إنَّ كثيراً من الانتصارات العظيمة للمسلمين قد حدثت في رمضان في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك بعد زمانه، فقد فتح هؤلاء الصَّائمون الأندلس في رمضان، فأدخلوا الإسلام إلى بلاد الغرب وهم صائمون، ونصر الله -تعالى- القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي على الغزاة الصليبين في رمضان، فدحر الغزاة عن بيت المقدس هو وجنوده الصائمون.[٨]

وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الصِّيام لا يمنع النَّصر، بل إنَّ الصِّيام يعزّزه ويؤيّده، فلو أمعنّا النَّظر، لوجدنا أنَّ فتح الأندلس وهو فتح للجبهة الأخرى من العالم، وفتح مكَّة وهو فتح أفضل بلدان العرب، فكلا الانتصارين كانا في رمضان، وكانا منطلقا لما بعدهما.[٨]

ولا غروَ أن ينتصر المسلمون في رمضان؛ لأنَّ الله -تعالى- جعل في هذا الشَّهر من الخير والعبادات ما لم يجعله في غيره من الشُّهور، فهو شهر الصِّيام، وهو شهر القيام، وهو شهر تلاوة القرآن، وهو شهر صدقةِ الفطر، فاجتمعت في هذا الشَّهر العظيم أصناف العبادات؛ البدنيَّة، والماليَّة.

وإن هذا الشَّهر الفضيل يجعل النَّاس متمرِّسين على الشَّدائد والصِّعاب، فيتعلمون البذل والعطاء والصَّبر، فمن صَبَرَ على الطَّعام والشَّراب وهما بين يديه، فهذا يجعله يبذل الرُّوح رخيصةً في رمضان في سبيل رفعة كلمة الله؛ لأنَّ رمضان شهر البذل والعطاء، وهو يعلّم النَّاس الصَّبر على المشاق والصِّعاب، فرمضان شهر الصَّبر والتصبُّر والتجلُّد.[٩]

معاشر المسلمين، إن الله -تعالى- جعل هذا الشَّهر الكريم شهر العزيمة والجَلَد، وشهر الفضيلة والعبادة، فينبغي علينا نحن المسلمين أن نجعله كما جعله الله -تعالى-، شهر الإكثار من الخيرات، وشهر الانتصارات، فهكذا فعل القادة الأوَّلون، وهكذا يجب أن نفعل، ومن ظنَّ أنَّ رمضان فيه حظَّ للكسالى والمفرِّطين فقد أخطأ، إنَّما هو شهر العظماء والمجاهدين.[١٠]

ومن أجل ذلك جعل الله -تبارك وتعالى- هذا الشَّهر له، وجعله خاصته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللَّهُ: ‌كُلُّ ‌عَمَلِ ‌ابْنِ ‌آدَمَ ‌لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ).[١١][١٠]

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، عباد الله، رمضان شهر الفرقان كما سمَّاه الله -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[١٢] وقد سمي يوم بدر -أيضاً- بيوم الفرقان، وهو اليوم التَّاسع عشر من رمضان.

قال الله -تعالى-: (وَما أَنزَلنا عَلى عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمعانِ وَاللَّـهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ)،[١٣] حيث إنَّ الله -تعالى- في هذا اليوم فرَّق بين الحقِّ والباطل، وشهر رمضان شهر الفرقان، نزل فيه القرآن الذي هو فرقان بين الشِّرك والتَّوحيد، والإيمان والكفر، والحقِّ والباطل.

معاشر المسلمين، لقد حدث بعد زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معارك كثيرةً، ووقعت في رمضان شهر الصِّيام، وبعض هذه المعارك حدثت متأخرةً في الزَّمان؛ مثل معركة عين جالوت، ومعركة شقحب، والتي كانت بين المسلمين والتتار.

معاشر المسلمين، نتحدث عن القتال في رمضان، وعن الجهاد في رمضان، وما كان يفعله المسلمون في الزَّمان الأوَّل، ونحن ليس لنا في هذا الزَّمان من هذا الفضل إلَّا القليل، ولكنَّنا نؤمن بأنَّ نصر الله قادم، وأنَّ إرادة الله فينا نافذةً.

فهو القائل: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّـهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّـهِ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ وَعْدَهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)،[١٤] وقال: (كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[١٥] إنَّنا نؤمن بوعد الله الذي كتبه على نفسه، ولن يخلف الله وعده، ولكن الله -تعالى- يقول: (إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم).[١٦]

ولكن حتى يأتي ذلك اليوم، فينبغي علينا أن نجاهد أنفسنا على طاعة الله، وترك معاصيه، وأن ننصر إخواننا في الدين في كلِّ مكانٍ بما أويتينا من قوة الدُّعاء والجهاد، فإن عجزنا عن نصرهم بالسيف فلننصرهم بالحرف، وإن عجزنا عن السنان فلننصرهم باللسان.[١٧]

الدعاء

  • اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
  • اللهمَّ ارحم ضعيفنا، وارزق فقيرنا، واكفل يتيمنا، واهدِ الضالَّ منَّا، واعفُ عن المسيء، واغفر لنا أجمعين.
  • اللهمَّ بارك لنا في رمضان، وأعنَّا على حسن صيامه وقيامه، واغفر لنا ذنوبنا، وطهِّر أنفسنا، ونوِّر أبصارنا.
  • اللهمَّ اشرح صدورنا بالإسلام، وطبِّب نفوسنا بالإيمان، ونوِّر أبصارنا بالإحسان.
  • اللهمَّ انصر الجيوش الإسلامية في غرب الأرض ومشرقها، وهيِّء لهم النَّصر والفتح المبين.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المراجع[+]

  1. مجموعة من المؤلفين (1423)، خطب مختارة (الطبعة 3)، المملكة العربية السعودية:وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 183. بتصرّف.
  2. سورة آل عمران، آية:102
  3. رواه الترمذي، في السنن، عن ابي هريرة، الصفحة أو الرقم:682 ، صحيح.
  4. دار الوطن، "أقبلت يا شهر الصيام"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 9/10/2021. بتصرّف.
  5. رواه مالك، في الموطأ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، الصفحة أو الرقم:1461 ، مرسل.
  6. ابن عثيمين (1408)، الضياء اللامع من الخطب الجوامع (الطبعة 1)، صفحة 460، جزء 5. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في الصحيح، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم:335 ، صحيح.
  8. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، صفحة 277، جزء 15. بتصرّف.
  9. ابن عثيمين، جلسات رمضانية للعثيمين، صفحة 1، جزء 14. بتصرّف.
  10. ^ أ ب سليمان بن حمد العودة (1434)، شعاع من المحراب (الطبعة 2)، الرياض - المملكة العربية السعودية :دار المغني للنشر والتوزيع، صفحة 185، جزء 12. بتصرّف.
  11. رواه البخاري، في الصحيح، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1904 ، صحيح.
  12. سورة البقرة، آية:185
  13. سورة الأنفال، آية:41
  14. سورة الروم، آية:4-6
  15. سورة الروم، آية:47
  16. سورة الرعد، آية:11
  17. د. سعود بن غندور الميموني (15/9/1438)، "مضان شهر الانتصارات والفتوح (خطبة)"، الألوكة. بتصرّف.

16 مشاهدة