حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٥٦ ، ٣٠ مارس ٢٠٢٠
حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة

مفهوم الوباء

الوباء في اللغة هو مصدر للفعل وبِئَ، يوبَأُ وجمعُهُ أوبئة، وهو كلُّ ما ينتشر بين الناس من مرض، وفي أغلب الأحيان يكون الوباء قاتلًا كمرض الطاعون، ويظهر الوباء بشكل أكبر في أوقات الحروب،[١]وجاء أيضًا أن الوباء مصدر للفعل وبُؤَ، ويُقصد به المرض الذي من صفاته أنَّه سريع العدوى، أمَّا التفشِّي فهو مصدر للفعل تفشَّى ويتفشَّى، وتفشِّي الوباء يعني زيادة مفاجئة في عدد المصابين بالمرض في مكان وزمان محددين،[٢]فالوباء يبدأ من مجموعة صغيرة تُؤثر هذه المجموعة على غيرها من الأشخاص الذين سيؤثرون على غيرهم بعد انتقال العدوى إليهم، فظهور أربع حالات من مرض معد كافية بتفشِّي هذا المرض بين الناس، وهذا المقال سيتحدَّث عن حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة.[٣]

حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة

في الحديث عن حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة، لا بدَّ بداية من الإشارة إلى أنَّ الدين الإسلامي الحنيف يدخل في كلِّ مظاهر الحياة اليومية التي يعيشها المسلم، من مصيبة أو نعمة، فعلى المسلمين جميعًا أن يشعروا بدوام مراقبة الله لهم في جميع أعمالهم، وما أصاب المسلمين من مصيبة فبما عملته أيديهم، قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الحديث الشريف: "لم تَظْهرِ الفاحِشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلِنُوا بِها إلا فَشَا فِيهمُ الطاعونُ والأَوجاعُ التِي لم تكنْ في أسلافِهم، و لم ينقُصُوا المِكيالَ و المِيزانَ إلا أُخِذُوا بالسِّنِينَ و شِدَّةِ المُؤْنةِ و جَورِ السُّلطانِ.."[٤]، ودليل آخر على ارتباط ما يحلُّ بالمسلمين بالشرع هو ما جاء عن زينب أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنَّه قيل لرسول الله:أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ ،[٥] فلا بدَّ أن يكون المسلمون على يقين تامٍّ بارتباط البلاء بالأعمال،[٦]وفيما يأتي حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة.

مفهوم السلع

قبل التفصيل في حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة، إنَّ السلع في اللغة هي جمع لكلمة سِلعة، والسلعة هي كلُّ ما يتمُّ التجارة به من بضاعة، وقد وردتْ هذه الكلمة في الحديث النبوي الذي رواه أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله قال: "ثلاثةٌ لاَ ينظرُ اللَّهُ إليْهم يومَ القيامةِ ولاَ يزَكِّيهم ولَهم عذابٌ أليمٌ، قلتُ: من هم يا رسولَ اللَّهِ فقد خابوا وخسروا؟ فقالَ: المنَّانُ والمسبلُ إزارَهُ والمنفقُ سلعتَهُ بالحلفِ الْكاذبِ"،[٧]وهذا تعريف السلعة في اللغة،[٨]، أمَّا السلعة في المصطلح الاقتصادي فهي مصطلح يشير إلى الأشياء التي تفي باحتياجات البشر وتيسِّر أمور حياتهم، وقد تكون هذه السلع ملموسة وهي السلع المادية التي تُباع وتُشترى كالمواد الغذائية وما شابهها، وقد تكون غير ملموسة كالمعلومات، وقد تتعرَّض هذه السلع إلى الاحتكار في حالات الحروب والأوبئة ممّا يؤدّي إلى رفع أسعارها، فما هو حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة في الإسلام.[٩]

حكم رفع أسعار السلع

بعد تعريف السلع، إنَّ أكثر ما يتبادر إلى أذهان الناس في الأوقات الحرجة التي تتعرَّض إليها الأمة كأوقات الحروب والأزمات الاقتصادية والأوبئة هو حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة أو انتشار الحروب أو غير ذلك، وفي حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة يمكن القول إنَّ الأصل في البيع والشراء والتجارة قول الله تعالى في سورة النساء: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}،[١٠]والشريعة الإسلامية لم تضبط سقف الربح ولم تحدِّد ربحًا معينًا للبائع؛ وهذا لأنَّ المسألة ترجع إلى مدى الرضا بين الطرفين عند البيع،[١١]ولكنَّ المفروض أنْ يكون أساس التعامل بين المسلمين التقوى، فلا يظلمنَّ أحد أخاه المسلم ولا ينبغي على المسلمين أن يقفوا ضدَّ بعضهم بعضًا في وقت المحن والشدائد، قال تعالى في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}،[١٢]فيجب على المسلم أن يحذَرَ من الطمع وألّا يأخذه الجشع إلى ظلم أخيه، وأن يشعر بضيق إخوته من المسلمين وكربهم وجوعهم وأن يكون سببًا في رفع البلاء عن الأمة الإسلامية جمعاء، والله تعالى أعلم.[٦]

حكم التسعير

بعد التفصيل في حكم رفع أسعار السلع عند تفشي الأوبئة، سيتم تسليط الضوء على حكم التسعير، والتسعير هو وضع أسعار السلع، أي الأسعار التي يجب أن تُباع بها السلع، وربما يكون التسعير من السلطان فيُمنع الناس والباعة من بيع السلع بأكثر أو أقل من السعر الذي حدَّده السلطان لهذه السلع، ويختلف التسعير عن السعر، فالسعر هو الثَّمن الذي يُوضع مقابل كلِّ سلعة، أمَّا التسعير فهو تحديد هذا الثمن، أمَّا حكم التسعير في الإسلام فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة؛ حيث ذهب أتباع المذهب الحنفي والمالكي إلى أنَّ التسعير يجب أن يكون من ولي الأمر؛ أي من السلطان حصرًا، أمَّا أتباع المذهب الحنبلي والشافعي فذهبوا إلى تحريم التسعير من الناس،[١٣]وجدير بالذكر أيضًا في مسألة حكم التسعير في الإسلام أنَّه إذا زاد البائع في سعر السلعة بسبب قلة السلعة وزيادة الطلب عليها، فزيادة سعر السلعة جائزة، ودليل ذلك ما جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّه قال: "غلاَ السِّعرُ على عَهدِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليْهِ وسلَّمَ- فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ! قد غلاَ السِّعرُ فسعِّر لنا، فقالَ: إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازقُ، إنِّي لأرجو أن ألقى ربِّي وليسَ أحدٌ يطلُبُني بمظلِمةٍ في دمٍ ولاَ مالٍ"،[١٤]والله أعلم.[١٥]

أمَّا إذا كانت زيادة أسعار السلع استغلالًا احاجة الناس إليها فينبغي في هذه الحالة أن يكون تسعير السلع من ولي الأمر أو الحاكم أو السلطان كي تتحقق العدالة ولا ينتشر الظلم بهذا الشكل، قال ابن القيم في هذه المسألة: "وأمَّا التسعير، فمنه ما هو محرَّم ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمَّن ظلم الناس، وإكراههم بغير حقٍّ على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمَّن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم ممّا يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب"، والله تعالى أعلم.[١٦]

المراجع[+]

  1. "كتاب معجم اللغة العربية المعاصرة"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  2. "كتاب معجم اللغة العربية المعاصرة"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  3. "تفشي (وبائيات)"، www.ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  4. رواه الألباني، في صحيح الترغيب، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 764، حديث صحيح.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن زينب أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 7059، حديث صحيح.
  6. ^ أ ب "التعامل الشرعي مع الأوبئة"، www.almunajjid.com، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  7. رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم: 1211، حديث صحيح.
  8. "تعريف و معنى سلع في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  9. "سلعة"، www.ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  10. سورة النساء، آية: 29.
  11. "حكم رفع التاجر للأسعار في وقت دون آخر"، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  12. سورة الحجرات، آية: 10.
  13. "كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  14. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1801، حديث صحيح.
  15. "كتاب الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر"، www.al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.
  16. "متى يباح التسعير ومتى يحرم"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 23-03-2020. بتصرّف.