حكم الاعتكاف في رمضان

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٣٥ ، ٢٩ مارس ٢٠٢٠
حكم الاعتكاف في رمضان

مفهوم الاعتكاف

ينقسم مفهوم الاعتكاف إلى قسمين وهما لغةً واصطلاحًا، فأمَّا الاعتكاف في اللغة فهو: حبس النَّفس عن التَّصرفات العادية التي كان يُداوم عليها الإنسان في حياته، الاعتكاف على وزن الافتعال، ويُقال قد عكفتُ الشيء أي حبسته، وعكفته عن حاجته أي منعته من الوصول إليها، قال تعالى في سورة الفتح: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}،[١] وقد ورد الاعتكاف كواحدٍ من المصطلحات الشرعية التي تدلُّ على اللبث والمكوث في المسجد على صفةٍ مخصوصةٍ بنيَّة،[٢] وقد يكون ذلك الاعتكاف ليلًا أو نهارًا، حيث قال ابن حزم: "هو الإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله عز وجل ساعةً فما فوقها ليلاً أو نهارًا"، وأضاف في ذلك ابن باز: "والمقصود من ذلك هو التفرغ للعبادة والخلوة بالله لذلك، وهذه هي الخلوة الشرعية"، وقد يعمد الكثير من المسلمين إلى الاعتكاف في رمضان لخصوصيَّته من بين الأشهر؛ لذلك كان لا بدَّ من إفراد مقالٍ يتحدَّث عن حكم الاعتكاف في رمضان.[٣]

حكم الاعتكاف في رمضان

والاعتكاف هو واحدٌ من الأمور التي يقصد فيها المرء العبادة سواء كان ذلك في رمضان أم في غيره، وقد خاض العلماء في أقلامهم للحديث عن أحكام الاعتكاف ومتى يكون لازمًا ومتى يكون سنة ومتى يكون مندوبًا، والأصل في حكم الاعتكاف الإباحة،[٤] وأما حكم الاعتكاف في رمضان يأخذ خصوصيَّةً أكثر منه في باقي الأزمنة والأوقات، وأمَّا مُطلق حكم الاعتكاف فهو سنةٌ وأمَّا في شهر رمضان فيعلو عن السنة المحببة بشدة استحبابها، ويأخذ الاعتكاف ثلاثة أحكامٍ تفصيليةٍ في ذلك، فأمَّا الحكم الأوَّل فهو سنةٌ محببةٌ في كلِّ الأزمنة والأوقات، وأمَّا في العشر الأخيرة من رمضان فهو سنة مؤكدة؛ وذلك لأنَّ ليلة القدر هي إحدى تلك الليالي العشر، فمن أراد طلبها فلا بدَّ له وأن يعتكف في تلك الليالي إذ إنَّها غير معروفة، وأمَّا من نذر أن يعتكف فعليه أداء نذره ويكون في هذه الحالة الاعتكاف عليه لزامًا، وقد قال -تعالى- في كتابه العزيز مما يُستدلُّ به على مشروعية الاعتكاف: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}،[٥] ولم يُنزل الله في شريعته شيئًا إلا كان فيه الحكمة للمؤمن في حياته الدنيوية والأخروية، وأمَّا الحكمة من من الاعتكاف فهي كفُّ النفس عن الشهوات والحرام والارتفاع بها وتنزيهها، وتقديسها عن الدنيا الفانية وتذكر الدَّار الآخرة وتهذيب النَّفس وتصفية الروح، وما أشد حاجة العبد إلى مثل تلك الخلوات والتفقه في حكم الاعتكاف في رمضان أو في غيره، والله في ذلك هو أعلى وأعلم.[٦]

أقسام الاعتكاف

بعد أن تمَّ الحديث عن حكم الاعتكاف في رمضان لا بدَّ من تبيين أقسام الاعتكاف سواء كان ذلك في رمضان أم في غيره؛ وذلك أنَّ الاعتكاف هو واحدٌ من الأمور الشرعية التي لها أحكامها مثل الصلاة والصوم وغيرها من العبادات، وقد بيَّن العلماء أقسام الاعتكاف ما بين واجبٍ ومندوب ومسنون، وفيما يأتي تفصيلٌ لها:[٧]

  • المندوب: فأمَّا من قال بندبته فقد بيَّن أنَّه فعلٌ طوعيٌ للمؤمن غير مجبورٍ فيه يكون في أقلِّه لحظةً واحدة أو يومًا واحدًا أو ساعةً واحدة أو يومًا وليلة؛ وذلك حسبما ارتأى الفقهاء كلٌّ حسب الأدلة التي استند إليها، ولكن من السنَّة ألا ينقص الاعتكاف عن يومٍ وليلة.
  • الواجب: وأمَّا من قال بوجوب الاعتكاف فكان الجمهور الذي أفتى بذلك بناءً على نذرٍ نذره المؤمن على نفسه بأن يقوم بالاعتكاف سواء كان ذلك الاعتكاف منجزًا أم معلقًا، وأيد المالكية وجوب الاعتكاف إن شرع المؤمن بالاعتكاف المسنون، ومقابل الظاهر عند الحنفية، وقد رأى جميع علماء أهل السّنة أنَّه لا يكفي نية النذر بالاعتكاف في القلب بل لا بدَّ من التلفظ فيها باللسان.
  • المسنون: وأمَّا من قال بسنية الاعتكاف فكان ذلك في المذهب الحنفي باعتبار الاعتكاف سنةً مؤكدة في العشر الأخير من رمضان، وهو سنة كفاية إذا قام بها بعض المسلمين سقطت عن الباقين، ولم يحصل لمن تركها بدون عذرٍ أيُّ إثم؛ ذلك أنَّها سنة كفاية، وأمَّا لو كانت سنة عين فسيأثم تاركها إثمًا دون إثم ترك الواجب، وفي ذلك تفصيلٌ لحكم الاعتكاف في رمضان أو غيره، والله هو أعلى وأعلم.

مفسدات الاعتكاف

وبعد أن تمَّ الحديث عن حكم الاعتكاف في رمضان وفي غير رمضان لا بدَّ من الحديث عن مفسدات الاعتكاف، وما الأمور التي يُحظر على المعتكف فعلها في حال البدء باعتكافه في المسجد، وعلى ذلك سيكون التَّفصيل فيما يأتي:[٨]

  • الجماع ومقدماته: سواء كان ذلك في الليل أو النَّهار وذلك عند جمهور أهل العلم سواءٌ كان ذاكرًا لحرمانية الفعل في وقت الاعتكاف أم كان ناسيًا لذلك لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.[٩]
  • الخروج من المسجد: وأمَّا الخروج من المسجد فيُبطل الاعتكاف الواجب على اتِّفاق الفقهاء في ذلك، إلا أن تكون حالةً اضطراريةً فيكون فيها التَّفصيل حسب أقوالهم كلٌّ حسب اجتهاده ورؤيته، وأمَّا المالكية والحنفية فقد ألحقوا بفساد الاعتكاف الواجب المندوب أيضًا.
  • الجنون: وأمَّا إذا طرأ على المُعتكف جنون في اعتكافه فقد اتفق الجمهور على عدم بطلان اعتكافه، وإنَّه يستطيع أن يبني متى أفاق من جنونه.
  • الردة: وتُبطل الردة الاعتكاف على قول جمهور أهل العلم جميعهم.
  • السُّكر: وذهب كلٌّ من المذاهب الثلاثة وهي الحنابلة والشافعية والمالكية على بطلان الاعتكاف إذا حدث السُّكر بسبب ما حُرِّم، وأمَّا الحنفية فقد أبطلوه إذا حدث نهارًا ولم يروه مُفسدًا إذا حدث ليلًا.
  • الحيض والنفاس: ويتوجب على الحائض والنفساء أن تخرج من المسجد فورًا؛ وذلك لأنَّ دم الحيض والنفاس يُبطل الصيام.

مباحات الاعتكاف

وبعد أن تمَّ الحديث عن حكم الاعتكاف في رمضان ومفسداته، وما الأمور التي يجب على المعتكف الابعتاد عنها، لا بدَّ من أن يتمَّ الحديث عن مباحات الاعتكاف التي لا يتوجب على المُعتكف تركها، وفيما يأتي تفصيلٌ لها:[١٠]

  • النوم والطَّعام والشراب.
  • إبرام العقود في المسجد: ويُباح إبرام العقود في المسجد سواء لنكاح أم لبيع أم لرجعة، ويُكره للبيع والشراء وذلك عند الحنفية والمالكية.
  • السُّكوت: ويُكره السكوت كراهة تحريمية عند ظنِّ المُعتكف أنَّها نوعٌُ من القربات إلى الله، وهذا رأي الحنفية.
  • الكلام: ويجب على المعتكف وغيره ألا يتكلم إلا بالخير؛ وقد كره الحنفية الكلام إلا بالخير في الاعتكاف كراهة تحريمية.
  • التطيُّب واللباس: ولا ضير على المُعتكف أن يمسَّ شيئًا من الطِّيب وأن يعتني بلباسه سواء كان رجلًا أم امرأة وهذا هو المشهور عند المالكية.

المراجع[+]

  1. سورة الفتح، آية: 25.
  2. مجموعة من المؤلفين (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: السلاسل، صفحة 206، الجزء الخامس. بتصرّف.
  3. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية - الدرر السنية (الطبعة الأولى)، موقع على الإنترنت: الدرر السنية، صفحة 491، الجزء الأول. بتصرّف.
  4. "أحكام الصيام"، www.aliftaa.jo، اطّلع عليه بتاريخ 25-03-2020. بتصرّف.
  5. سورة البقرة، آية: 187.
  6. مجموعة من المؤلفين (1413)، كتاب الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار نشر دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 106، الجزء الثاني. بتصرّف.
  7. مجموعة من المؤلفين (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: السلاسل، صفحة 206-208-209، الجزء الخامس. بتصرّف.
  8. مجموعة من المؤلفين (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: السلاسل، صفحة 219-220-225-226، الجزء الخامس. بتصرّف.
  9. سورة البقرة، آية: 187.
  10. مجموعة من المؤلفين (1427)، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: السلاسل، صفحة 226-227-228، الجزء الخامس. بتصرّف.