ثورة آن لوشان: تاريخها، أطرافها، أسبابها، نتائجها

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٠٤ ، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٠
ثورة آن لوشان: تاريخها، أطرافها، أسبابها، نتائجها

ثورة آن لوشان

ما هي مسمّيات ثورة آن لوشان؟

للإجابة عن سؤال ما هي ثورة آن لوشان أو تمرُّد آن لوشان؟ يمكن القول بأنها عبارة عن تمرُّد مدمِّر وعنيف اشتعل في الصين ضدَّ أسرة تانغ الحاكمة في القرن الثامن الميلادي، فقد نصَّب الجنرال آن لوشان نفسه إمبراطورًا على منطقة شمال الصين وأسس بذلك أسرة يان الحاكمة التي صارت تنافس أسرة تانغ، ويطلق على ذلك التمرُّد في علم التاريخ في الصين اسمَ اضطرابات آن شي أو تمرُّد آن شي، فبعد موت الجنرال آن لوشان استمرَّت تلك الأحداث تحت قيادة ابنه آن تشينغسو ونائبه وخليفته على الحكم شي سيمينغ، كما يُطلق على هذا التمرُّد اسم ثورة تيانباو التي بدأت في العام 14 من تلك الحقبة، امتدَّت أحداثها قبل أن يتمَّ القضاء عليها على مدار حكم ثلاثة من أباطرة أسرة تانغ الحاكمة، وفي هذا المقال سيدور الحديث حول تاريخ ثورة آن لوشان وأسبابها ونتائجها.[١]

تاريخ ثورة آن لوشان

من هي أسرة تانغ الصينية؟

في بداية الحديث عن أحداث ثورة آن لوشان من الضروري إلقاء نظرة على الخلفية التاريخية لها، فقد دخلت منذ عام 742م منطقة أوارسيا أي كل من قارة آسيا وأوروبا في مرحلة من الاضطرابات السياسية الحادَّة التي نتجَ عنها اندلاع الكثير من الحروب استمرَت لأكثر من ثلاثة عشرة سنة، وقد واجهت الإمبراطوريات القديمة التي كانت حاكمة في تلك الحقبة تمرُّدات كثيرة وثورات كبيرة وواسعة أدى العديد منها إلى تغيير في السلالات الحاكمة، ففي السهب الأوراسي الشرقي سقطت سلالة الترك ليتولى الحكم عنها حكام الأويغور، وقد كانت تلك بداية لكثير من الأحداث الثورية التي أثر عليها أو قادها في بعض الأحيان التجار وأصحاب العلاقات التجارية الخارجية على طول ما يعرف بطريق الحرير.[١]

وفي عام 747م انتفض العباسيون ضدَّ الدولة الأموية في خراسان وفي عام 750م تولى العباسيون الحكم في الدولة الإسلامية، ويشير البعض إلى أنَّ هذه الثورة أيضًا كانت من تخطيط التجار وأشخاص آخرين يُعرِّفون أنفسهم بأنهم تجار، وفي تلك الفترة كانت أسرة تانغ هي التي تتولى الحكم في الصين منذ عام 618م،[١] وسلالة تانغ أو تانج هي إحدى السلالات التي حكمت الصين من عام 618م وحتى عام 907م سبقتها مملكة سوى وجاءت بعدها فترة الممالك العشر والأسر الخمس، كانت عاصمة الإمبراطورية آنذاك مدينة تشانغآن أو شيان حاليًا، وقد كانت أكبر مدن العالم من حيث عدد السكان، وتعدُّ تلك المرحلة من المراحل البارزة في تاريخ حضارة الصين، وتساوي حضارتها العصر الذهبي للثقافة العالمية في مملكة هان،[٢]

وبحلول عام 751م توقَّف توسُّع إمبراطورية أسرة تانغ الصينية باتجاه الغرب بعد تعرّضها لهزيمة على أيدي القوات الجوالة الكبيرة تحت قيادة غاو شيانجي في معركة نهر تالاس وهو ما يعرف باسم وادي فرغانة، وسبب الهزيمة أنَّ ترك القارلوق انشقوا عنهم أثناء المعركة، إلا أنَّ العرب لم يكملوا تقدمهم باتجاه تلك المنطقة، فحافظت أسرة تانغ على أراضيها، وفي الجنوب توقف التوسع أيضًا بسبب الحملات العسكرية الفاشلة وغير المجدية ضدَّ مملكة نانجاو، ولم يحالف إمبراطورية أسرة تانغ النصر إلا في معاركها ضد دولة التيبت، فقد بدأت حملة ناجحة بهدف السيطرة على التيبت وحققت انتصارات واسعة بسبب مقتل إمبراطور التيبت مي أغستوم عام 755م وحدوث تمرُّدات ضخمة واضطرابات داخل التيبت حتى بدا أنَّ انتصار أسرة تانغ واقع لا محالة، لكن الصين التي كانت تعاني من اضطرابات اقتصادية شديدة في تلك الفترة، حيث استطاع الجنرال التركي وفق الراجح من الأقوال والمعروف باسم آن لوشان تولي منصب رفيع وقريب من الإمبراطور شوانزونغ في أسرة تانغ ومستشاريه.[١]

وكان آن لوشان قائدًا عسكريًّا فذًّا وذكيًّا ومقاتلًا شرسًا وماكرًا كما كان قاضيًا يقضي بين الناس، ورغم خبرته ومهاراته العسكرية خسر معركة ضد خيتان عام 736م واتُّهم بتهوره وطيشه وأرسل إلى الإمبراطور ليعاقبه لكنَّه أعجب به وعفا عنه،[٣] يشيرُ البعض إلى أنَّ أصوله غير معروفة فقد تبناه أبٌ من سوقديان وأم من توجو في طفولته، ولكنه وصل إلى قصر الإمبراطور ونال حظوة كبيرة عنده، ظهرت في القصر الفخم الذي بناه له في العاصمة تشانغآن عام 751م، ثمَّ عيَّنه قائدًا عسكريًّا إقليميًّا على ثلاثة من الحصون في شمال البلاد، فسيطرَ آن لوشان عمليًا على المناطق الشمالية والتي تشكل المصبات الدنيا للنهر الأصفر، ويشمل ذلك الحصون التي تضمُّ 160 ألف جندي تقريبًا، فاستغلَّ آن لوشان الظروف السيئة التي هبَّت في تلك المرحلة ليبدأ ثورته في عام 755م.[٤]

أطراف ثورة آن لوشان

هل تمكن جيش الإمبراطور من استعادة العاصمتين تشانغآن ولوويانغ؟

اندلعت أحداث ثورة آن لوشان في السادس عشر من شهر ديسمبر عام 755م عندما أعلن الجنرال آن لوشان نفسه إمبراطورًا على شمال الصين، ليؤسس بذلك أسرة يان المنافسة لأسرة تانغ الحاكمة، واستمرَّت الثورة خلال حكم الإمبراطور شوانزونغ وحكم سوزونغ وانتهت أحداثها أثناء حكم الإمبراطور دايزونغ، كما شملت أيضًا أربعةً ممن طالبوا بأخذ الحكم من أسرة دا يان التي باءت بالفشل بتحقيق هدفها، وخلال فترة قصيرة اتسعت الاضطرابات لتشمل مناطق واسعة من الصين.[٥]

وكان آن لوشان في طريقه لاجتياح المناطق فأصبح يتعامل باحترام مع المستسلمين من أتباع أسرة تانغ، وهذا ما دفع المزيد من الناس للانضمام إليه، وخلال عام استولى على العاصمة الشرقية لوويانغ، ومن هناك أعلن نفسه إمبراطورًا من أسرة يان العظيمة الجديدة، ثمَّ توجَّه إلى العاصمة الغربية تشانغآن ليكمل تحقيق هدفه ومواصلة الزحف إلى الجنوب، وفي عام 756م استولى آن لوشان على العاصمة ولكن الإمبراطور كان قد هرب من العاصمة قبل ذلك، وحتى هذه المرحلة كان طرفا القتال هما قوات آن لوشان وقوات الإمبراطور شوانزونغ، بالإضافة إلى وقوف المؤيدين لحكم أسرة تانغ إلى جانبها، ووقوف المعادين لها إلى جانب آن لوشان.[٥]

لكن بعد عزل الإمبراطور وتولِّي ابنه تاي شانغ، صار هو وقواته الطرف الآخر في الحرب، لكنه لم يلبث طويلًا ليتولى الحكم سوزونغ ثالث أبناء شوانزونغ، وأوَّل ما قام به الإمبراطور الجديد أن عين جنرالين لتولي أمور الحرب، فقررا طلب المساعدة من قوات قبيلة توجوي التركية أو أحد أفخاذها، كما طلبوا من الدولة العباسية المساعدة، فأرسل إليهم الخليفة العباسي المنصور 4 آلاف جندي عربي للمشاركة إلى جانب تانغ في الحرب، استقرَّ معظمهم في الصين بعد انتهاء الحرب، وتمكن جيش الإمبراطور من استعادة العاصمتين تشانغآن ولوويانغ عام 757م، لكنَّه لم يتمكن من السيطرة على التمرد، حيثُ لاذ المتمردون بالفرار إلى الشمال، وفي تلك الفترة قُتل آن لوشان على يد ابنه آن تشينغو، وفي تلك المرحلة كانت أطراف ثورة آن لوشان: قوات الإمبراطور سوزونغ إلى جانبها قوات من قبيلة توجوي من تركيا وقوات الدولة العباسية العربية بالإضافة إلى بعض المؤيدين لتانغ، وعلى الجانب المقابل قوات آن تشينغشو والقبائل العادية لتانغ.[٥]

أسباب ثورة آن لوشان

لقد قامت ثورة آن لوشان خلال حقبة زمنية كثرت فيها الاضطرابات والثورات والتمردات في مناطق واسعة من قارة آسيا، وكان لتلك الأحداث تأثير كبير على اندلاع الثورة، ولا بدَّ لكل ثورة أو تمرُّد أو حرب من أسباب أدَّت إلى اشتعالها ،منها ما يكون مباشرًا وقريبًا ومنها ما يكون بعيدًا وغير مباشر، وقد يتَّضح من خلال الأحداث المصاحبة لها أو التي سبقتها العديد من الأسباب التي دفعتها إلى الانفجار، وفيما يأتي سيتمُّ إدراح أسباب ثورة آن لوشان:

  • دخول الإمبراطورية الصينية أثناء حكم أسرة تانغ في الكثير من الحروب الحدودية، وخسارتها في الكثير منها، مثل معركة تالاس في قيرغيزستان حاليًا أمام الجيوش العربية، وعدم قدرتها على هزيمة مملكة نانجو في الجنوب.[٦]
  • خسارة الإمبراطورية لكثير من الجنود والمقاتلين في معاركها المختلفة في تلك الفترة.[٦]
  • إنفاق الكثير من الأموال على تلك الحروب ما أدى إلى تدهور في الأوضاع الاقتصادية ونفاد الأموال من محكمة تانغ.[٦]
  • تولية الإمبراطور شاونزونغ للجنرال آن لوشان على منطقة الشمال في خطوة غير محسوبة من قِبَله.[٦]
  • بلوغ الشعب في الإمبراطورية إلى حالة استياء شديدة من حكم أسرة تانغ.[١]
  • قيام الثورة العباسية ضدَّ الدولة الأموية بدعم من سوقديان ما شجَّع آن لوشان للقيام بثورته.[١]
  • غياب القوات العسكرية القادرة على حماية قصر الإمبراطور في العاصمة.[١]
  • أطماع آن لوشان في إنشاء إمبراطورية تحكمها سلالة يان العظمى الجديدة والقضاء على سلالة تانغ الحاكمة.[١]

نتائج ثورة آن لوشان

بعد أن حقَّقت ثورة آن لوشان سلسلة من الانتصارات الكبيرة على أسرة تانغ الحاكمة، بدأت الاضطرابات تدبُّ في جسد الدولة الحديثة، فقُتل آن لوشان على يد ولده آن تشينغشو الذي لم يلبث هو أيضًا حتى قُتِل على يد خليفته ومستشاره وصديق طفولة والده شي سيمينغ، وفي عام 761م قُتِل شي سيمينغ على يد ولده شي تشاويي الذي أعلن نفسه إمبراطورًا، ولكنه لم يحظَ بتأييد واسع من جنرالات مملكة يان، أدَّت هذه الاضطرابات في النهاية إلى ضعف الدولة حديثة النشوء وتدهورها، واستعان الإمبراطور الجديد في أسرة تانغ بمقاتلين من الأيغور والعرب للقضاء على الثورة، فتمكن في عام 763م من إخماد ثورة آن لوشان بعد أقل من عقد على قيامها، وعلى الرغم من القضاء على الثورة ولكنَّ آثارها السليية لم تترك إمبراطورية أسرة تانغ كما كانت قبل الثورة، وقد امتدَّت آثارها لعقود طويلة لاحقة.[٧]

كما أدت الثورة إلى سقوط العاصمة تشانغآن بيد قوات آن لوشان وهرب معظم أهاليها منها، ونهب المدينة على يد المقاتلين وإشاعة الخوف في قلوب السكان الذين عاشوا في خطر تحت حكم المتمردين، وسقوط عدد كبير جدًّا من القتلى في الصين، وقد كان سقوط القتلى بسبب الحرب والقتال بالإضافة إلى سقوط قتلى من المدنيين كخسائر جانبية، وفيما يأتي سيتمُّ إدراج أهم النتائج التي حققتها ثورة آن لوشان:[٥]

  • وصول آن لوشان إلى عرش الإمبراطورية وتقليص المناطق التي تسيطر عليها أسرة تانغ وإضعافها إلى درجة كبيرة.[٥]
  • شيوع الكثير من الفوضى والاضطرابات ضمن الإمبراطورية.[٥]
  • اضطرار السكان إلى الهجرة بأعداد كبيرة جدًّا وخصوصًا في المناطق الشمالية والوسطى من الصين، ما أدَّى إلى تدمير النظام الاقتصادي والاجتماعي، وحدوث مجاعات مخيفة وضخمة وانتشار الأمراض والأوبئة التي نتج عنها مقتل الملايين من السكان.[٥]
  • انخفاض عدد سكان الصين بشكل فظيع جدًّا، حيثُ انخفض من 52 مليون شخص تقريبًا في عام 755م، إلى 17 مليون تقريبًا عام 764م بعد انتهاء الحرب بعام واحد.[٥]
  • تنازل الإمبراطور شوانزونغ عن الحكم لصالح ابنه، بعد هربه من العاصمة إلى المناطق الجنوبية.[٥]
  • تقوية العلاقة بين الإمبراطورية الصينية والدولة الإسلامية وخصوصًا في حكم الخليفة العباسي المنصور بسبب دعمه لأسرة تانغ في الحرب، فتمَّ تبادل الوفود الرسمية بين الطرفين وزاد استقرار التجار المسلمين في الصين بالإضافة إلى المقاتلين الذين استقروا هناك وتزوجوا من الصينيات وحافظوا على حياتهم وعاداتهم الإسلامية.[٨]
  • إضعاف الإمبراطورية الصينية تحت حكم أسرة تانغ بعد إخماد التمرُّد ووقوع عدد كبير من الهزائم الملتلاحقة.[٦]
  • فقدان الدولة أجزاء كبيرة من أراضيها كالأراضي التي أخذتها من الدولة التبتية، حيثُ استعادت الدولة التبتية أراضيها حتى سيطرت على العاصمة تشانغآن، وفقدان السيطرة على حوض تريم.[٦]
  • اضطرار أسرة تانغ إلى اقتراض الأموال والقوات من الأيغور لدفع الديون والصمود.[٦]
  • فقدان أباطرة أسرة تانغ السلطة السياسية بشكل كبير لصالح جنرالات الحرب في مناطق البلاد المختلفة وكان معظمهم من الأجانب، وهو ما مهَّد لسقوط أسرة تانغ في عام 907م، ودخول الصين في مرحلة من الفوضى العارمة وهي ما يعرف بفترة الدول الخمس والممالك العشر.[٩]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث ج ح خ د "ثورة آن لوشان"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-30. بتصرّف.
  2. "سلالة تانغ الحاكمة"، oer2go.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-30. بتصرّف.
  3. مايكل ديلون، مختصر تاريخ الصين، صفحة 272. بتصرّف.
  4. "ثورة آن لوشان"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-30. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث ج ح خ د ذ "تمرد آن لوشان"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-30. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح خ "ماذا كان تمرد لوشان؟"، eferrit.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-30. بتصرّف.
  7. "على أن لوشان تمرد في تانغ الصين"، www.greelane.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-30. بتصرّف.
  8. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة، صفحة 32. بتصرّف.
  9. إيمي شوا، عصر الإمبراطورية : كيف تتربع القوى المطلقة على عرش العالم وأسباب سقوطها، صفحة 141.