تعبير عن مهنة الصحافة وقواعدها الأصيلة

تعبير عن مهنة الصحافة وقواعدها الأصيلة
تعبير عن مهنة الصحافة وقواعدها الأصيلة

مهنة الصحافة ضرورة ملحة

تتحدّث الصحافة بلسان الإنسانية جمعاء، فهي الشاهدة على جميع العصور التي مرت بها، والمُدرِكة للحوادث التي جرت، فما من صفحةٍ في مذكراتها اليومية إلا وَباحَتْ بالأسرار، وبلغ دورها من الأهمية ما يكفي لجمع سكان العالم وقاطنيه في منزلٍ واحدٍ، عبر ما تمتلكه من أساليب الفن والإبداع، وما تستعمله من الوسائل والمخترعات المختلفة، وفي حقيقة الأمر إنّ الصحافة ضرورة ملحة؛ إذ إنّها تتأصل في النفس البشرية، التي جُبلت على الفضول ومحاولة معرفة الأحداث.

تمثل الصحافة معجمًا عالميًا يبدأ ولا ينتهي، تُدوّن في أوراقه أحداث العالم المختلفة، من سياسيةٍ، وإخباريةٍ، وثقافيةٍ، واقتصاديةٍ ورياضيةٍ،؛ أي أنّ الصحافة عالمٌ لا محدود من الأحداث ضمن عالمنا البشري، وتستخدم فيها شتى أنواع التدوين والكتابة، ويُطلَق اسم صحفيّ على كل إنسانٍ امتهنَ الصحافة.

شهدت الصحافة تعدّدًا بمسميات فنها وفقًا لما عاصرته من الأزمان والأشخاص، الذين أثروا عليها تأثيرًا لغويًّا، فقد سميت بالوقائع والنشرة سواءً كانت اليومية، أم الأسبوعية، أم الشهرية، وأيضًا بالمجلة والورقة الخبرية، غير تسميتها بالجريدة، وببعض المسميات الغربية المعربة مثل الجورنال وغازته.

الصحافة تلك المهنة الحرة التي لا بدّ لكل إنسان من أن يكون على قدر عال من الوعي تجاهها، فلا يستخدمها بما يسيء بها إلى الآخرين، بل يُحاول أن تكون مرآة صافية للمجتمع يستقي أخطاؤه منها ويصلحها.

الصحافة تتطور شيئًا فشيئًا

عند نبحث في جذور الصحافة نجد أنّها مرّت بعدّة أطوار ومراحل أثناء رحلتها في رحم العالم، إلى أن ولدت في هيئتها الحالية اليوم؛ إذ يعتقد المؤرخون أنّ جذورها تمتد لتضرب عصور ما قبل الميلاد، وذلك من خلال ما خلفته الحضارات من الآثار المتعلقة بكيفيات نقل الأخبار، كالنقوش الحجرية وأوراق البردي وغيرها، فقد استخدمت هذه الوسائل لنقل الأخبار بين السلطات، ولإعلان القوانين العامة للشعب، وذلك ما بدا واضحًا في الحجر المعروف باسم حجر الرشيد الذي تعدّ نقوشه إبلاغًا حكوميًّا لمختلف أبناء الشعب وكهنته.

أخذت بذرة الصحافة بالنمو في العصور الوسطى داخل القارة الأوروبية، عبر الرسائل الإخبارية المنسوخة التي استخدمت خصيصًا من قِبل السلطة الدينية، في عصرٍ عُرف باسم العصر المظلم، نتيجة هيمنة رجال الدين على الشعب وأفكاره، الذين شاركوا بعض التجار وافتتحوا عددًا من المكاتب الإخبارية في مختلف المدن الأوروبية، لتلبية رغبات الطبقات الغنية من الشعب، المتمتعة بنفوذٍ عظيمٍ، وهيمنةٍ كبرى، وتعطشٍ لمرفة تفاصيل الأحداث العالمية والمحلية.

سطعت شمس الصحافة مع حلول القرن الخامس عشر؛ إذ اخترعت الطباعة وآلتها، معلنةً هدم جدار الفصل العنصري بين الشعب والصحافة، لتظهر أوّل صحيفة في دولة ألمانيا، غير أنّ الصحف لم تتمتع بما يليق بها من الحريات، نتيجة ما قدمته السلطات الحكومية من القمع والانتهاك لحرية التعبير والرأي، الأمر الذي أدى إلى ضعف انتشار الصحافة المطبوعة، وكثرة انتشار الرسائل المنسوخة لمدة ثلاثة قرونٍ من الزمن.

ثم جاء القرن التاسع عشر حاملًا معه أوسمةً عديدةً لتتزين الصحافة بها، إذ نالت الصحافة وسام ولقب السلطة الرابعة، نتيجة دورها في التأثير المجتمعي، كما نالت وسام السرعة والمصداقية في نقل الأخبار، فأضحت بما لديها من مخبرين وكتاب وعاملين فائزةً بالمركز الأول، جاعلةً من القطاعات الحكومية في المرتبة الثانية، ولم تزدهر الصحافة من تلقاء نفسها، بل ازدهرت بفضل اعتناء روادها ورعايتهم؛ إذ بلغوا من الرعاية ما جعلهم يستخدمون مختلف الاختراعات، التي توظف الصحافة وتعزز مكانتها، فكان اختراع التلغراف والهاتف وظهور الراديو وغيرهم عاملًا مهمًا وعمودًا متينًا لرفع سقف الصحافة.

للصحافة مبادئها وقواعدها

تقع على عاتق الصحافة مسؤولية تُشابه تسلق الجبال وقممها في الصعوبة، حيث إنّ مسؤوليتها مخاطبة العقول على اختلاف البيئة والتكوين الاجتماعي والثقافي والعلمي، خطابًا يُحبّه الذكي ويستميل الأقل ذكاءً.

تلك المسؤولية حتمت على العمل الصحفي وصانعه الاتسامَ بعددٍ من الأخلاقيات والمبادئ، التي لا بد أن تتجذر في الصحفي بوصفه إنسانًا وفردًا من أفراد المجتمع، والتي أيضًا يجب أن تخضع للتنظيم من قِبل المؤسسات الإعلامية الصحفية على أن تراعي السلوكيات والمبادئ الصادرة من السياسيات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تتبنى قيم المجتمع الإنساني العام.

أرى أنّ من مبادئ الصحافة وقواعدها أن يخلق الصحفي عمًلا مستقل الصنعة، معتمدًا بذلك على ذاته، فلا يعتمد على السرقة أو النسخ الأدبي، ونظرًا لكون الصحافة ناطقةً بلسان العصور المختلفة، فيجب على الصحفي تحري دقة معلوماته، من خلال المصادر والمراجع المختلفة، ولا بد من تمتع الصحفي بآداب أنواع الكلام من حوارٍ أو مناقشةٍ أو تفاوضٍ أو إقناعٍ، فيجعل التهذيب خُلقه، واللباقة شعاره، والاحترام مبدأه.

لا نستطيع الحديث عن أخلاقيات التعامل دون ذكر ضرورة احترام خصوصيات الآخرين، فلا بُدّ للصحفي من التعود على سياسية طلب الإذن، فلا ينشر ولا يدون إلا ما تم الموافقة عليه من قبل الآخر، ولا سيما تلك الأمور المتعلقة بالحوادث، إنّ الصحافة بوصفها مرآة للمجتمع تُوجب على الصحفي طرح موضوعات تُراعي المجتمع وأخلاقه العامة، فلا تخرج موضوعاته عن حدود الأخلاق العامة.

الصحافة رأس مالها الصدق

وأخيرًا، نلاحظ أنّ الصحافة صديقة الزمن عبر رحلته الطويلة، ولعلّ ما أكسبها هذه المرتبة في مختلف العصور كونها صديقةً صادقةً، تنقل ما رأته وسمعته دون زيادةٍ أو نقصانٍ؛ لذلك فإنّ إصابتها بمرض الاختلاق أو الكذب، يُحتّم عليها النهاية وحيدةً ضمن سراديب ذاكرتها، ولا بد من الإشارة إلى دور الدول في تدعيم صدق الصحافة من خلال ضمان حرية الصحافة والتعبير.

إنّ ما شاهدته نبتةالصحافة من النمو كان كافيًا ليمتد فرعها في سماء وأرض المنطقة العربية، التي عرفت الصحافة منذ العقد الثاني في القرن التاسع عشر، ذلك الوقت الذي كابدت فيه الشعوب العربية خسائر مادية وإنسانية، نتيجة التهام الاحتلال لأرضها؛ إذ كانت المنطقة كقالب الحلوى الموزع بين دولٍ عديدة، تمارس طغيانها على السكان، فكانت الصحافة سبيلًا للبوح، ودعوةً للتحرر، وتصويرًا للألم الوطني والقومي، وتعد دولة سوريا ومصر الأم الحقيقية للصحافة العربية.

الصحافة تلك المهنة الحرة التي يُسطَّر الإنسان من خلالها، لذلك لا بدّ على أي ربّ قلمٍ فيها من أن يكون مسؤولًا عن كل حرف يُخبر النّاس به ولا يتخذ من قلوب النّاس أو عقولهم مطيةً يتفنن في ازدرائها.

13 مشاهدة