تعبير عن منظر طبيعي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٢٣ ، ١٩ أغسطس ٢٠١٩
تعبير عن منظر طبيعي

تعبير عن منظر طبيعي

لقد خلقَ الله الإنسان، وخلق عنده القدرة على التعبير، وكانت هذه الملكة التي وهبه الله إياها رحمة من الخالق، كي يستطيع التعبير عما بداخله والتنفيس عما يجول بقلبه، وأكثر ما برع فيه الإنسان هو تعبير عن منظر طبيعي حرك مشاعره وأسر قلبه، تلك الأوراق الذهبية التي تتطاير هنا وهناك في فصل الخريف الحزين، كانت الحديقة بما فيها من أشجار قد اصطبغت باللون الذهبي، استعدادًا لاستقبال فصلٍ يعشق هذا اللون، فيأتي بردائه المصفر وبصحبته الرياح الباردة كرفيقةٍ له على الدوام، وتلك النسمات التي تداعب أوراق الشجر لتسقطها طريحةً على الأرض من غير حولٍ لها ولا قوة، بعد أن كانت زينةً يروِّح بها البشر عن نفوسهم.


جلس أحد الكتاب على كرسيٍّ في حديقة خالية من البشر بعض الشيء، ولكنها تعج بالذكريات الأليمة التي تختلط بنفسه، جلس ليكون لقلمه الشرف في تعبير عن منظر طبيعي لطالما ترك بصمته في روحه، فالمقاعد في الحديقة خاوية إلا من بضع أوراق تتحرك جيئةً وذهابًا بنفحات من النسيم البارد، والسماء ازدحمت فيها الغيوم السوداء، حاملةً بين ثناياها بعضًا من زخات المطر التي تقرع أجراس الشتاء، ويترقبها كل عاشقٍ للسير تحتها، علها تطفئ شيئًا من نيران الهوى في داخله.


رفع الكاتب رأسه عاليًا كي يلتقط صورة من هذه اللوحة الإلهيّة ليسبكها بكلمات تُسطر في دفتره، وإذ بصوت الطيور المهاجرة معلنةً عن حزنها بصوت جذبت له القلوب قبل الأعناق، وهي تودع أرض وطنها وسمائه، فتختلط على الكاتب هذه الصورة بصورة أحبائه حينما غادروا أرض الوطن، وتركوه خلفهم يتجرع مرارة شوقه لهم.


اقترب هذا الكاتب المكسور والذي أنِس هذا الجو في الحديقة، من بحيرةٍ صغيرةٍ تعكس ظلال الأشجار فتبدو كأيادٍ تتشابك في لحظات الوداع، ويرمق بعينيه الماطرتَيْن كسماء هذا الخريف، ورقة ذهيبة تطفوا على سطح الماء والتي ضاعت في لون البحيرة الأصفر، وكأن المرض قد أصابها فاصفرّت حزنًا على فراق الأوراق الخضراء والعشب الغض، بدت تلك الورقة كسفينة تبحر بعيدًا مع دفقات الماء.


وفي استمرار ما يخطّه الكاتب في تعبير عن منظر طبيعي، حركت الرياح صفحة الماء كمرآة تكسرت للتو، كقلب هذا الرجل المكسور الذي أحَسّ بالطبيعة وهي تشاركه حزنه ومشاعره بأدق تفاصيلها، مشى الر جل في طرقات الحديقة الخاوية لتطير الأوراق حوله وكأنها تتشبث به، لينقذها من ضياعها وينتشلها من قارعة الطريق.


قد كانت إحدى الزهرات مائلة على جذع الشجرة، وكأنها تنتحب انقضاء عمرها وانتهاء لحظاته علها تجد العون من تلك الشجرة القوية، ولكن الشجرة شاركتها نحيبها بصمت فقد جاء هذا الفصل ليعريها من أبنائها الذين كانت تتباهى بهم وبتمسكهم بها، ليحولها لشجرةٍ وحيدةٍ تتجرع لظى الفراق، كانت هذه اللحظات التي داعبت بأناملها قلب ذاك الكاتب، تعبير عن منظر طبيعي لطالما حفر عميقًا في قلبه.