الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤١ ، ٢١ أغسطس ٢٠١٩
الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل

مفهوم الفضاء الفني

شكّل الفضاء الفني إشكاليّة مفهومية في الدراسات النقديّة الحديثة؛ لقصوره الدلاليّ المنطلِق من الاكتفاء بما يقدّمه المستوى المعجميّ من معانٍ تحدّ من أفق مفهوم الفضاء، فقد أطلقت المعاجم لفظ الفضاء على "ما اتّسَعَ مِن الأرض"[١]، ولعلّ هذا المفهوم شكّل عائقًا في وجه الدراسات النقدية، لذلك فقد عمد كثير من الدارسين إلى إزاحة هذا المفهوم عن حدوده المعجمية وتوسعة دلالاته، كما هو الحال عند عبد الملك مرتاض، إذ اجتازَ المفهوم الماديّ للفضاء بتعريفِه الاصطلاحيّ الذي يجعل من الفضاء "عوالمَ لا حدودَ لها، تشمل المكان الموجود والمفقود والمنشود". وهو تعريف كافٍ لبيان مفهوم الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل لنازك الملائكة.[٢]

عناصر الفضاء الفني

بَدا مفهوم الفضاء الفنيّ بعد التفات الدراسات النقدية الحديثة إليه مقومًا أساسيًا من مقومات العمل الأدبي، لاسيّما أنه يشكل حلقة وصل تجمع بين مقومات العمل الأدبي، إضافةً إلى سَعته الدلاليّة التي اكتسبَها بفعل اختلاف الدارسين في تحديد مفهوم خاصّ به؛ لذلك فهو يعدّ الصورة المادية الروحية والعقلية لانتظام الموجودات في المكان، وبناءً على ذلك، يمكن توزيع الفضاء الفني في عنصرين هما:[٣]

  • الفضاء المادي: ويشمل تلك الأبعاد المادية الملموسة التي تتضافر لتشكيل أساس العمل الأدبي كالزمان والمكان والشخصيات، وهي تشكل البنية الأساسية التي تحتوي الفضاء المعنوي.
  • الفضاء المعنوي: وهو العنصر الذي يمكن الأديب من تحقيق ذاتيته الفنية وطريقته الإبداعية التي تميزه وتفرده عمن سواه، ويشمل الأبعاد الفكرية التي يقوم عليها النص الأدبي كالدّلالات المباشرة والرمزية والإيحاءات العاطفية والأبعاد الطباعية واللقطات السينمائية والتصويرية.

وعلى الرّغم من أن الفضاء المعنوي يمكّن الأديب من خلق بصمته الخاصة في عمله الفنيّ، إلّا أنّ قوة الفضاء تتمثل بتلاحم أجزائه المادية والمعنوية، فهما يشكّلان كلًّا واحدًا لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإلّا بهتت فنيّة العمل الأدبي وفَقَدَ اتّصاله بالأديب من جهة، وبالمتلقي من جهة أخرى، فإنْ كان الفضاء المعنوي يمثّل روح العمل الأدبي، فإن الفضاء المادي يمنحه شكله وقوامه الذي يظهر به للعَيان.[٣]

الفضاء الفني بين الأديب والمتلقي

منحت الطبيعة الوظيفية للفضاء لقاءً حيًا بين الأديب والمتلقي من خلال النص الأدبي، لا سيّما أنه بعنصرَيْه -الماديّ والمعنويّ- قد تمكّن من خَلْق جسر للتواصل بين عالم الواقع الذي يعيشه الكاتب والمتلقي، وعالم الخيال الذي يتيحه الفضاء الفني المعنويّ بما يبثّه من صور عقلية وتخيليّة تنسجها انفعالاتُهما العاطفيّة ونزاعها بين الواقع المَعيش والواقع المرغوب المبنيّ على الحُلم والتصوّر.[٤]

ووفقًا للدراسات النقديّة الحديثة لم يعد الأديب وحده من يسهم في بناء العمل الأدبي وتشكيل فضائه الفنيّ، فقد أصبح للمتلقي دورٌ بارز في توجيه مسار العمل الأدبيّ نحو قيم دلالية متباينة تتحرر من قيدها المشروط المتصل بما يمليه الأديب فقط، لا سيما إن كانت قيم الفضاء الفني لدى المتلقي متوافقة إلى حد ما مع الأديب كاللغة والذوق الجمالي والثقافة المشتركة، وهنا يكمن دور الفضاء في تقوية وشائج التواصل بين الأديب والمتلقي وخلق عمل إبداعي متكامل قادر على التفاعل مع المحيط الخارجي.[٤]

قصيدة عاشقة الليل

عاشقة الليل اسم أطلقته الشاعرة نازك الملائكة على ديوانها الأول الذي صدر سنة 1947 ملتزمة فيه بقواعد العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي، نسبة إلى قصيدة عاشقة الليل التي تضمنها هذا الديوان[٥]، وتقول فيها:[٦]

يا ظلامَ الليلِ يا طاويَ أحزانِ القلوبِ
أُنْظُرِ الآنَ فهذا شَبَحٌ بادي الشُحوبِ
جاء يَسْعَى، تحتَ أستاركَ، كالطيفِ الغريبِ
حاملاً في كفِّه العــودَ يُغنّــــي للغُيوبِ
ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليلِ في الوادي الكئيبِ

تعلو التشاؤمية والسوداوية جبين هذه القصيدة، فكأنّها نُسجت بآلامها وامتزجت بعمق مأساتها التي بدت إنسانية أكثر منها ذاتية، فهي تحمل في طياتها معاناة مجتمع بأسره، جاعلة من شعرها نقطة جذب تحفظ لها اتصالها الدائم بالواقع المعيش، فقد بدت هذه القصيدة صورة محققة لعالمين متنازعين، عالم الواقع المأساوي المؤلم، وعالم الرغبة الذي يجتاح كيان الشاعرة ويتأجج فيه نارًا مشكلة بهذا النزاع فضاء فنيًا لامتناهيًا.[٥]

الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل

ارتكزت نازك الملائكة على الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل كمقوم جمالي أساسي في النص الشعري، وإن كانت قد حدت من أفق فضائها فيه ليظل محصورًا في العناصر الآتية، وهي:

  • العناصر المادية:
    • شخصية الشاعرة تحت مسمّى عاشقة الليل.
    • الزمان: الليل، المساء.
    • المكان: الوادي الكئيب، العشب.
  • العناصر المعنوية:
    • الأبعاد الدلالية والرمزية التي تحملها الألفاظ.
    • التقيد بالقوافي.
    • الالتزام بالبحر العروضي.
    • عناصر الصوت والحركة واللون.
    • الانزياحات العاطفية.

وقد تفاوتت هذه العناصر في تردُّدِها بين مقطع وآخر من القصيدة، فالعنوان "عاشقة الليل" يحتمل ثلاثة عناصر: الشخصيّة والزمان والدّلالة، إلا أنّها قد امتزجت وانسجمت مُشَكِّلة كلًّا واحدًا يمهّد لمقاطع القصيدة ويستثير ما في ذهن المتلقي من فكر وانطباعات قد يشترك فيها مع الشاعرة، فالليل يوحي للوهلة الأولى بالأنين والغموض والظلم والمعاناة، وهي المعاني ذاتها التي ارتكزت الشاعرة عليها في تشكيل بنيتها الشعرية، في حين اتحدت شخصية الشاعرة بدلالة العشق لتمنح الطابع العام للعنوان لونًا من التناقض الذي سرعان ما يخلق في نفس المتلقي صراعًا محاكيًا لصراع الإنسان مع الواقع، ويزداد هذا الصراع وضوحًا في المقطع الأوّل في قولها:[٦]

يا ظلامَ الليلِ يا طاويَ أحزانِ القلوبِ
أُنْظُرِ الآنَ فهذا شَبَحٌ بادي الشُحوبِ
جاء يَسْعَى، تحتَ أستاركَ، كالطيفِ الغريبِ
حاملاً في كفِّه العــودَ يُغنّي للغُيوبِ
ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليلِ في الوادي الكئيبِ

تتفاوتُ عناصر الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل منذ البداية في المقطع الأول، ففي الوقت الذي يهيمن فيه الزمان ويخيّم على أرجاء المقطع، تظهر الشخصية واهنة مقابل الزمان وسطوته، وهي تسعى متخفّية تحت الأستار راجيةً الاستقرارَ والأمان، وقد انعكس هذا التفاوت بدوره على الدلالة الشعريّة التي أظهرت تخوف الشاعرة من المستقبل الآتي ومحاولة احتراسها من خلال مساعيها لتجاوز الواقع المتمثل بالزمان والمكان واستشراف الآتي، من خلال ما يبثّه عنصر الصوت "صوت العود"، الذي بدأ يبدد سكون الليل حتى بدأت وطأة التشاؤم بالذبول في المقطع الآتي:[٦]

هو، يا ليلُ، فتاةٌ شُهد الوادي سُرَاها
أأقبلَ الليلُ عليهــا فأفاقتْ مُقْلتاها
ومَضتْ تستقبلُ الواديْ بألحانِ أساها
ليتَ آفاقَكَ تدري ما تُغنّي شَفَتاها
آهِ يا ليلُ ويا ليتَـكَ تدري ما مُنَاها

رغم التزام الشاعرة بِرَوِيّ الباء في المقطع الأول، إلّا أنها تُبدي ضربًا من التحلّل في المقطع الثاني، فتغيّر الرّوِيّ ليكون رويّ الهاء المطلقة، بما تحمله من دفقات صوتية توحي بانفجارات تعبيرية عن الألم وتأوّهات طالما كُتِمَت سابقًا، إضافة إلى تلك الخصوصية التي بدأ الفضاء الفني يكتسبها في هذا المقطع، فتنكير الشخصية كان ملائمًا تمامًا للمحيط الغامض الذي يوحيه الظلام والسكون في المقطع الأول، بينما تكتسب الشخصية ملامح معرفية في المقطع الثاني فهي فتاة، وأيّ فتاة هي؟ لعلّها الشاعرة نفسها، وهذا ما سيتبادر لذهن المتلقّي الذي استرقته لذّة الكشف عن المجهول في هذه القصيدة، وتقول:[٦]

جَنَّها الليلُ فأغرتها الدَيَاجي والسكونُ
وتَصَبَّاها جمالُ الصَمْتِ، والصَمْتُ فُتُونُ
فنَضتْ بُرْدَ نهارٍ لفّ مَسْراهُ الحنينُ
وسَرَتْ طيفاً حزيناً فإِذا الكونُ حزينُ
فمن العودِ نشيجٌ ومن الليلِ أنينُ

تبدأ عناصر الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل بالتساوي في القوى في هذا المقطع، فالشخصية التي كانت تتسلل تعزف العود بدت تميل للسكون الآن، وظلّ الليل ساكنًا أيضًا، لقد اكتسب السكون في هذه القصيدة دلالة سلبيّة، فهو مرتبط بالحزن وثبات الحال، فالشّاعرة لا تلتمس تغييرًا في واقعها، ولا تجد ما بَنَتْه في أحلامها محقّقًا أبدًا، لكنها لا تيأس فتقول:[٦]

إِيهِ يا عاشقةَ الليلِ وواديهِ الأَغنِّ
هوذا الليلُ صَدَى وحيٍ ورؤيا مُتَمنٍّ
تَضْحكُ الدُنْيا وما أنتِ سوى آهةِ حُزْنِ
فخُذي العودَ عن العُشْبِ وضُمّيهِ وغنّي
وصِفي ما في المساءِ الحُلْوِ من سِحْر وفنِّ

تَسترِدّ الشاعرة قواها من جديد، فيضجّ المقطع الشعري بعناصر الصوت المختلفة من أنين وصدى وغناء ولحن، وتظهر عناصر الفضاء الفني في قصيدة عاشقة الليل في هذا المقطع متحدة على نقيض حالها في المقطع السابق، وكلّها تبدو مختلفة أيضًا، فالفتاة أصبحت عاشقة الليل، وأصبح الوادي الكئيب دنيا ضاحكة والليل مساءً حلوًا، ولم يعد للظلام سطوةً في هذا الواقع الجديد؛ واقعِ الحُلُم المنشود، فتقول:[٦]

ما الذي، شاعرةَ الحَيْرةِ، يُغْري بالسماءِ؟
أهي أحلامُ الصَبايا أم خيالُ الشعراء؟
أم هو الإغرامُ بالمجهولِ أم ليلُ الشقاءِ؟
أم ترى الآفاقُ تَستهويكِ أم سِحْرُ الضياءِ؟
عجباً شاعرةَ الصمْتِ وقيثارَ المســـاء

تبدو صورة الواقِعَيْن -المعيش والحُلم- واضحة في هذا المقطع، كما يعكس صراعًا داميًا يعزّز فجوة الاختلاف بينهما، ولكنّ شخصية الشاعرة لا تزال تتمسّك بالحلم والأمل، وتسعى إلى اجتياز واقعها المَعيش بكلّ ما يحمله من أماراتِ الشقاء والألم، فتقول:[٦]

طيفُكِ الساري شحوبٌ وجلالٌ وغمـوضُ
لم يَزَلْ يَسْري خيالاً لَفَّه الليلُ العريضُ
فهو يا عاشقةَ الظُلْمة أسـرارٌ تَفيضُ
آه يا شاعرتي لن يُرْحَمَ القلبُ المَهِيضُ
فارجِعي لا تَسْألي البَرْق فما يدري الوميضُ
عَجَباً، شاعرةَ الحَيْرةِ، ما سـرُّ الذُهُولِ؟
ما الذي ساقكِ طيفاً حالماً تحتَ النخيـلِ؟
مُسْنَدَ الرأسِ الى الكفَينِ في الظلِّ الظليلِ
مُغْرَقاً في الفكر والأحزانِ والصمتِ الطويلِ
ذاهلاً عن فتنةِ الظُلْمة في الحقلِ الجميلِ

يُظهر المقطعُ فضاءَ الليل في صورتين متناقضتين، تشاؤميّة سلبيّة وتفاؤلية إيجابية، وكأنّ للمشهد رؤيتين اثنتين، فإنْ هي نظرت إليه بعين الواقع وجَدَته سلبيًّا قاتمًا ومظلمًا، وإن نظرت إليه بعين الحُلُم والأمل وجدته جميلًا مشرقًا، تقول:[٦]

أَنْصتي هذا صُراخُ الرعْدِ ، هذي العاصفاتُ
فارجِعي لن تُدْركي سرّاً طوتْهُ الكائناتُ
قد جَهِلْناهُ وضنَــتْ بخفاياهُ الحياةُ
ليس يَدْري العاصفُ المجنونُ شيئاً يا فتاةُ
فارحمي قلبَكِ، لن تَنْطِقُ هذي الظُلُماتُ
رغم دفقة الأمل القويّة التي بدت في المقطع السابق، إلّا أن الطبيعة التشاؤمية للشاعرة نازك الملائكة تغلب في المقطع الأخير ليخيم اليأس والخوف، فتتخذ من الحذر سبيلًا تحاور به ذاتها لتعود أدراجَها من حيث انطلقت. لقد حاولت نازك الملائكة تجسيد الفجوة التي تفصل بين الواقع المعيش والواقع الذي تحلم بتحقيقه من خلال تلك المتناقضات التي تنتثر هنا وهناك في أرجاء القصيدة، مُشكِّلةً فضاءً شعريًّا خاصًّا تمتزج فيه تشوّهات الواقع بجماليّات الحُلُم المَنشود.

المراجع[+]

  1. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط (الطبعة الرابعة)، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، صفحة 694.
  2. عبد الملك مرتاض (1998)، في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد (الطبعة الأولى)، الكويت: عالم المعرفة، صفحة 123. بتصرّف.
  3. ^ أ ب عبد الإله بن عبد العزيز الغميز (1436هـ)، أنسنة الفضاء في الاستعارات الشعرية عند محمد الثبيتي (الطبعة الأولى)، السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، صفحة 16.
  4. ^ أ ب مراد حسن فطوم (2013)، التلقي في النقد العربي في القرن الرابع الهجري (الطبعة الأولى)، دمشق: الهيئة السورية العامة للكتاب، صفحة 16. بتصرّف.
  5. ^ أ ب محمد خاطر (1990)، دراسة في شعر نازك الملائكة، المغرب: مكتبة الأدب المغربي، صفحة 17. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح خ د "عاشقة الليل"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-08-2019.