الصيام: أحكامه ومقاصده

الصيام: أحكامه ومقاصده
الصيام: أحكامه ومقاصده

أحكام الصيام

يُعرف الصيام في اللُغة بالإمساك، والصيام مصدر: فنقول: صام، يصوم، صوماً وصياماً، وأمّا في الاصطلاح الشرعيّ: فهو الإمساك عن الطعام والشراب وجميع المُفطرات من طُلوع الفجر إلى المغرب مع النية في نهار شهر رمضان.[١]

حكم الصيام بحسب أقسامه

يختلف حُكم الصيام بحسب القسم الذي ينتمي إليه من أقسام الصيام، وينقسم الصيام إلى أنواعٍ عدة، وبيانها فيما يأتي:[٢]

  • الصيام المفروض

وهو صيام شهر رمضان، سواء أكان الصيام أداءً أو قضاءً، ويلحق به صيام الكفارات وصيام النذر.

  • الصيام المسنون

وهو الصيام الذي ورد في السنة الترغيب في صيامه؛ كصيام يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وجاء الأمر في الترغيب في صيامه بقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (صِيَامُ يَومِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ)،[٣] وكذلك صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر مُحرم.

وكذلك صيام ستة أيام من شهر شوال، لقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ)،[٤] ومن الصيام المسنون أيضاً صيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيامٍ من كُل شهر، وصيام يومي الاثنين والخميس من كُل أُسبوع، وصيام التسعة أيام الأُوَل من شهر ذي الحجة، وصيام شهر مُحرم، فقد أخبر النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- أنه أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان، وكذلك صيام شهر شعبان.

  • الصيام المُحرم

وهي الأيام التي يحرم الصيام فيها، كصيام يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، وحرم بعض العُلماء كالشافعيّة والمالكيّة والحنابلة صيام أيام التشريق.

  • الصيام المكروه

وهو ما ثبت في الشرع النهي عنه بصيغٍ غير مُلزمة؛ أي لا يدُل النهي فيه على التحريم؛ كصيام يوم الجُمعة مُنفرداً عن صيام قبله أو بعده، لقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يقولُ: لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ، إلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ).[٥]

وكذلك إفراد الصيام للأيام أو الأعياد التي يُعظّمها الكُفار، وصيام يوميّ السبت أو الأحد مُنفرداً، وصيام الدهر؛ وهو أن لا يُفطر الشخص بعد الغروب ويبقى مُتابعاً صومه إلى مغرب اليوم الثاني، أو يبقى مُستمراً في الصيام أياماً مُتتابعة، ويُكره صيام العُمر أو الدهر، وصيام يوم الشك؛ وهو اليوم الثلاثين من شهر شعبان إذا لم يُرَ فيه الهلال لغيمٍ أو بسببٍ آخر، كما يُكره صيام المرأة تطوعاً من غير إذن زوجها.

أركان الصيام

توجد العديد من أركان للصيام التي لا يصح إلا بها، وهي كما يأتي:[٦]

  • الإمساك عن المُفطرات

يجب الإمساك عن جميع المُفطرات؛ كالأكل والشرب وغيرهما من سائر المُفطرات، والدليل على ذلك من القُرآن قوله -تعالى-: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)؛[٧] أي امتنعوا عن المُفطرات من طُلوع الفجر إلى الليل وهو مغيب الشمس.

  • استيعاب زمن الإمساك

ويبدأ من طُلوع الفجر الثاني ويمتدُ إلى مغيب الشمس، لقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هَا هُنَا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِن هَا هُنَا، وغَرَبَتِ الشَّمْسُ فقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ)،[٨] وأجمع العُلماء على أن انتهاء الصيام يكون بمغيب الشمس.

شروط وجوب الصيام

يجب صيام رمضان على من تحققت فيه عدة شُروط، وبيانها كما يأتي:[٩]

  • الإسلام

لا يجب الصيام على غير المسلم، وإن صام لل يصحّ صومه؛ لأن الصيام من العبادات، والعبادة لا تصحّ إلا من المُسلم، وفي حال إسلامه يُلزم بقضاء ما فاته.

  • البُلوغ

لا يجب الصيام إلا على مَن بلغ سن التكليف، فقد ذكر النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام- أن القلم مرفوعٌ عن ثلاثة، ومنه الصبي حتى يبلُغ، ولكن يصح صيام الصبي إن صام.

  • العقل

لا يصح صيام المجنون أو المعتوه؛ لأنهما من الأصناف الذين رفع الله -تعالى- عنهم القلم.

  • الصحة

المريض الذي لا يقدر على الصيام لا يجب عليه الصيام، مع صحة صيامه إن صام، لقوله -تعالى-: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)،[١٠] ومن زال عنه المرض؛ وجب عليه الصيام وقضاء ما أفطره من الأيام.

  • الإقامة

المسافر لا يجب عليه الصيام، ويصحُ صيامه إن صام، ولكن إن أفطر فيجب عليه قضاء ما أفطره من الأيام.

  • الخلو من الحيض أو النفاس

يحرم على الحائض أو النفساء الصيام، لقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: ما بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، ولَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. فَقالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ قُلتُ: لَسْتُ بحَرُورِيَّةٍ، ولَكِنِّي أسْأَلُ. قالَتْ: كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ).[١١]

سنن الصيام 

توجد العديد من سُنن ومُستحبات الصيام التي ينبغي على الصائم فعلها؛ لينال الأجر والثواب، وليحصل بها على كمال الصيام، ومنها ما يأتي:[١٢]

  • أكل السحور وتأخيره، والإفطار على رُطبٍ أو تمر مع تعجيله.
  • الدُعاء عند الإفطار، والإكثار من التصدق وإطعام الآخرين، والجود بأنواع الخير.
  • الإكثار من قراءة القُرآن ومُدارسته، والمُحافظة على أداء صلاة التراويح، وقيام الليل.
  • الاعتكاف، وخاصةً في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لإدراك ليلة القدر والحُصول على فضلها.
  • الغُسل من الجنابة أو الحيض أو النفاس قبل الفجر.
  • كف المُسلم نفسه وجوارحه عن المُحرمات، بالإضافة إلى اللغو من القول أو الفعل، وترك الشهوات المُباحة والتي لا تُبطل الصيام.
  • التوسعة على الأهل، مع الإحسان إلى الأرحام والجيران، مع تفطير الصائمين ولو على شُربة ماء أو على تمرة.[١٣]

مبطلات الصيام

هُناك العديد من الأمور التي تُفطر الصائم، بشرط فعلها عالماً وعامداً ومُتذكراً لها، وأمّا الناسي أو الجاهل فلا شيء عليه إن فعل واحدة منها، لقول النبيّ -عليه الصلاةُ والسلام-: (مَن أكَلَ ناسِيًا وهو صائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ)،[١٤] وهذه المُفطرات كما يأتي:[١٥]

  • المُفطرات التي تزيد الجسم قوةً

كالطعام أو الشراب الذي يمد الجسم بالغذاء، أو تزيد الجسم ضعفاً؛ كخروج الأشياء المُنكهة للجسم؛ كالحيض أو النفاس أو الجِماع، وهذا النوع هو الأساسيّ في جميع المُفطرات، وعليها يدور باقي المُفطرات.

  • الأكل أو الشرب أو الجِماع في نهار رمضان، وكذلك إنزال المنيّ؛ سواءً أكان بسبب التقبيل أو المُباشرة أو الاستمناء أو أي طريقةٍ أُخرى.
  • استعمال الإبر التي تمدُ الجسم بالغذاء في نهار رمضان.
  • الحيض والنفاس.
  • الردة عن الإسلام.

الأعذار المبيحة للإفطار

توجد العديد من الأعذار التي يُباح للمُسلم فيها الإفطار في شهر رمضان، وهي كما يأتي:[١٦]

  • المريض والكبير

حيث إنّ المريض الذي يُرجى شفاؤه يُفطر ثُمّ يقضي ما أفطر بعد شفائه، وأمّا المريض الذي لا يُرجى شفاؤه؛ كالكبير في السن، فإنه يُفطر، ولا يجب عليه القضاء، بل يلزمه الفدية؛ وذلك بإطعام مسكينٍ عن كُل يومٍ أفطره.

وقد ذكر الله -تعالى- ذلك في قوله: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).[١٧]

وأمّا المرض الذي يجوز الفطر بسببه؛ فهو المرض الذي يصعبُ على الإنسان الصيام بسببه، وأمّا الإطعام فهو إطعام مسكين نصف صاع من بُر، أو تمر، أو غير ذلك من القوت في البلد.

  • السفر

يجوز للمُسافر أن يُفطر في شهر رمضان، ويجب عليه القضاء بعد ذلك، ويقدر السفر الذي يُباح فيه الإفطار بثمانية وأربعين ميلاً؛ أي ثمانين كيلو متر.

  • الحيض والنفاس

حيث إنّ المرأة الحائض أو النفساء فيجب عليهما الإفطار، ويحرم عليهما الصيام.

  • الحامل والمُرضع

يجوز للمرأة الحامل أو المُرضع الإفطار في شهر رمضان إن خافت على نفسها أو على ولدها، وتقضي ما أفطرته بعد ذلك، وهذا إن كان الإفطار بسبب الخوف على نفسيهما، وأمّا إن كان الإفطار بسبب الخوف على جنينها أو على ولدها فقط فعليها القضاء وإطعام مسكين عن كُل يوم.

مقاصد الصيام 

شرع الله -تعالى- الصيام لعباده للعديد من الحِكم، ومنها ما يأتي:[١٨]

  • الوصول إلى درجة التقوى، والتي هي من أعظم مقامات الدين، وينال بها الإنسان السعادة في دينه ودُنياه.
  • التعود على مكارم الأخلاق، وضبط النفس والشهوات، ومُحاربة الشيطان، والتعود على البذل والكرم.
  • التطهُر من الأخلاق الرذيلة، والتعود على تزكية النفس، كما أنه من العبادات التي تُعوّد المُسلم على الصبر بكافة أنواعه.
  • الوصول بالمُسلم إلى الإرادة القوية، وشد العزيمة في فعل الأوامر واجتناب النواهي.
  • الشعور بالوحدة بين المُسلمين عند قيامهم بعبادة الصيام في نفس الوقت، وكذلك الشعور بالآخرين من الفُقراء والمُحتاجين.
  • الصيام سببٌ لإجابة الدُعاء، وتحقيق النصر؛ من خلال ربط النفس وتعلُقها بخالقها.
  • الصيام سببٌ لكسر النفس الأمارة بالسوء، وكسر الجوارح عن فعل المُنكرات، بالإضافة إلى أن الصيام من العبادات التي فيها جماع الخير من خلال التقوى الحاصل به.

المراجع[+]

  1. سعيد القحطاني (2010)، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة 2)، القصب:مركز الدعوة والإرشاد، صفحة 6-7، جزء 1. بتصرّف.
  2. عبد الله الطيار، عبد الله المطلق، محمد الموسى (2011)، الفقه الميسر (الطبعة 1)، الرياض:مدار الوطن للنشر، صفحة 16-29، جزء 3. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو قتادة الحارث بن ربعي، الصفحة أو الرقم:1162، صحيح.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو أيوب الأنصاري، الصفحة أو الرقم:1164، صحيح.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:1985، صحيح.
  6. مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف (1433)، الموسوعة الفقهية، صفحة 272-275، جزء 1. بتصرّف.
  7. سورة البقرة، آية:187
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم:1954، صحيح.
  9. مجموعة من المؤلفين (1424)، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 151-152، جزء 1. بتصرّف.
  10. سورة البقرة، آية:185
  11. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:335، صحيح.
  12. محمد التويجري (2009)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة 1)، صفحة 157، جزء 3. بتصرّف.
  13. سعيد حوّى (1994)، الأساس في السنة وفقهها العبادات في الإسلام (الطبعة 1)، صفحة 2530-2531، جزء 6. بتصرّف.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:6669، صحيح.
  15. محمد التويجري (2009)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة 1)، صفحة 176-177، جزء 3. بتصرّف.
  16. مجموعة من المؤلفين (1424)، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 154-156، جزء 1. بتصرّف.
  17. سورة البقرة، آية:184
  18. محمد التويجري (2009)، موسوعة الفقه الإسلامي (الطبعة 1)، صفحة 122-124، جزء 3. بتصرّف.

6 مشاهدة