الذاكرة الصريحة والضمنية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٣٣ ، ١٩ أغسطس ٢٠٢٠
الذاكرة الصريحة والضمنية

مفهوم الذاكرة

تُعدُّ الذاكرة إحدى قدرات الدماغ، وهي المسؤولة عن تخزين المعلومات واسترجاعها، وهي مادّة غنيّة من مواد علم النفس الإدراكي وعلم الأعصاب؛ ولها عدّة تصنيفات وفقًا لمدّتها وطبيعتها وتبعًا لاسترجاعها للحالات الشعوريّة،[١] وهنالك من يعُدُّ الذّاكرة من العمليّات العقليّة العُليا عند الإنسان،[٢] وعليها تعتمد بعض العمليّات العقليّة الأخرى؛ كالإدراك والتّعليم والتّفكير والتّحدّث وحل المشكلات على سبيل المثال، ويرى بعض الباحثين أنّ الذّاكرة والتعلّم مصطلحان متداخلان، بل إنّهما في كثير من الاحيان يكونان متطابقان، وقد وضع لها علماء النفس تعريفات كثيرة، منها أنّها الوحدة الرّئيسة للتّعامل مع المعلومات، وما قاله عالم النفس أندرسون، أنّ الذاكرة هي "دراسة عمليّات استقبال المعلومات والاحتفاظ بها واستدعائها عند الحاجة"،[٣] ومنها ما قاله سولسو بأنّها دراسة مكوّنات عمليّة التذكّر والعمليّات المعرفيّة التي ترتبط بوظائف هذه المكوّنات، أو إنّها القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها عند الحاجة، والذي عليه أكثر علماء النفس المعاصرين أنّ الذاكرة ليس لها تعريف موحّد، وفي هذا المقال سيتم بيان الذاكرة الصريحة والضمنية.[٤]


الذاكرة الصريحة والضمنية

إنّ الذاكرة البشريّة ترتبط بكثير من الأجزاء المختلفة في الدّماغ، وهي ليست كلًّا واحدًا، بل هي عدّة أنواع مختلفة، والذاكرة بطبيعتها لا تقع في مكان واحد من الدّماغ البشري، بل هي تجري على نطاق واسع من الدّماغ، ومن أنواع الذّاكرة البشريّة هنالك الذّاكرة الحسيّة، وهنالك الذاكرة قصيرة الأمد وهنالك أيضًا الذاكرة طويلة الأمد، والذاكرة طويلة الأمد مهمّتها هي تخزين المعلومات مدّة طويلة من الزمن، وهذه الذّاكرة يمكنها تخزين عدد هائل وغير محدود من المعلومات، وهذا النّوع من الذّاكرة -أي طويلة الأمد- ينقسم في جوهره إلى قسمين: الذاكرة الصّريحة أو التعريفية؛ وهي ذاكرة الحقائق والأحداث، والذاكرة الضمنية أو الإجرائيّة؛ وهي ذاكرة المهارات المكتسبة، وستقف الفقرات القادمة مع تفصيل القول في الذاكرة الصريحة والضمنيّة.[٥]


الذاكرة الصريحة

تُعدُّ الذاكرة الصريحة أحد أقسام الذاكرة طويلة المدى، وهي تمثّل -إن صحّ القول- التذكّر المتعمّد والواعي للمعلومات الواقعيّة والخبرات والمفاهيم السابقة التي سبق وخزّنها الإنسان في دماغه في الذّاكرة، والذّاكرة الصريحة تنقسم من حيث عملها إلى أربعة أقسام هي: العرضيّة والدلاليّة والمكانيّة وذاكرة السيرة الذاتيّة، ويقابل الذاكرة الصريحة في الذاكرة طويلة المدى الذاكرة الضمنيّة التي هي ذاكرة المهارات المكتسبة كتذكّر مهارة تعلّمها الإنسان مثل قيادة السيارة أو ركوب الدرّاجة أو غير ذلك من المهارات المكتسبة، وفيما يأتي تفصيل أنواع الذاكرة الصريحة:[٦]


الذاكرة العرضية:

وهذه الذاكرة التي تخزّن المعلومات الرّصديّة وتتذكّرها، وقد تكون هذه الذكريات لحدث معيّن قد حصل في حياة الفرد أو قد تكون هذه الذكريات لموضوع حدث من حوله، وتحوي هذه الذاكرة بعض الأمثلة على بعض الحوادث العرضيّة مثل دخول صف معيّن أوّل مرّة، أو ركوب طائرة أوّل مرّة، أو ربما تتذكّر حزم أمتعة للذهاب في رحلة في يوم محدّد وبلد محدّد.[٦]


أو ربّما تتذكّر وقت الفصل من وظيفة معيّنة أو ربّما طرد أحد الموظفين من تلك الوظيفة، ويمكن القول إنّه يمكن التفكير في استرجاع هذه الأحداث العرضية على أنّها جزءٌ من إعادة التأهيل العقلي للأحداث التي تهم الفرد؛ إذ يعتقد بعض الباحثين أنّ الذاكرة العرضية هي النظام الذي يوفّر الدعم الرئيس للذاكرة الدلالية.[٦]


الذاكرة الدلالية:

يمكن إرجاع الذاكرة الدلاليّة إلى المعارف العالميّة العامّة التي يحملها الفرد، كالحقائق والأفكار والمفاهيم العامّة والمعنى، فيمكن التعبير عن هذه المعارف من جهة أنّها مستقلّة عن التجربة الشخصيّة، ومن ذلك المعارف اللغويّة ومعرفة الكائن والتفكير المفاهيمي وغير ذلك، وتختلف الذاكرة الدلالية عن الذاكرة العرضية من جهة أنّها ذاكرة المرء من تجارب وأحداث معيّنة يمكنه استرجاعها متى شاء.[٦]


ويمكن ضرب مثال عن الاختلاف بين الذاكرة الدلالية والذاكرة العرضية من جهة الذكريات التي يمكن استرجاعها، فمثلًا الذاكرة الدلاليّة قد تتذكّر معلومات عن القط عن معناه وماهيّته، بينما الذاكرة العرضية قد تتذكّر موقفًا داعب فيه المرء قطًّا ما، ومن أنواع الذكريات التي قد تسترجعها الذاكرة الدلاليّة هنالك مثلًا عواصم الدول العالميّة، وانواع الأطباق في بعض الدول وغير ذلك.[٦]


ذاكرة السيرة الذاتية:

وهذه الذاكرة تُعنى بذكر مشاهد من حياة الفرد الشخصيّة، وقوامها يعتمد على المزج بين الذاكرة العرضية -بما فيها من تجارب شخصيّة وأحداث قد مرّت في وقت معيّن من حياة الفرد- وبين الذاكرة الدلاليّة بما تحويه من معارف عامّة وحقائق حول العالم.[٦]


الذاكرة المكانيّة:

وهي إحدى أجزاء الذاكرة المتخصّصة بتسجيل المعلومات حول بيئة الفرد الخاصّة وتوجّهه المكاني، فالذاكرة المكانيّة للشخص مهمّة حين يريد التنقّل -مثلًا- في مدينة من المدن التي يعرفها، وكثيرًا ما يربط العلماء بين الذاكرة المكانيّة للبشر والحيوانات من جهة أنّها تشبه الخريطة الإدراكيّة، والذاكرة المكانيّة تعمل في الذاكرتين قصيرة المدى وطويلة المدى، وقد توصّلت بعض الأبحاث إلى أنّ هنالك مناطق في الدماغ مرتبطة بالذاكرة المكانيّة.[٦]


الذاكرة الضمنية

وتُسمّى الذاكرة الضمنيّة كذلك الذاكرة التّلقائيّة أو الذاكرة غير الواعية، وهي جزء من الذاكرة طويلة المدى والخبرات والمعارف ضمن هذه الذاكرة تُكتسب بطريقة لا واعية، وتُستخدم في اللاوعي، ويمكنها كذلك التأثير على سلوك الفرد وتوجيهه، ومن أشهر أشكال هذه الذاكرة نوعٌ اسمه الذاكرة الإجرائيّة، وقد ظهر الدليل على وجود الذاكرة الضمنيّة من خلال عمليّة يُقاس بوساطتها كيفيّة تحسين الأفراد أداءهم في مهام قد جهّزوا لها لا شعوريًّا، وأغلب الظنّ أنّ هذا الدليل قد ظهر في ثمانينيّات القرن الماضي حين أجرى بعض العلماء بحوثًا نفسيّة ودراسات حول هذه الذاكرة ليعاينوا وجودها في الواقع.[٧]


وممّا تختلف فيه الذاكرة الضمنية عن الذاكرة الصريحة أنّ الذاكرة الضمنيّة مجالها الاستيعابي أكبر من الذاكرة الصريحة؛ ذلك أنّها تحمل جميع أنواع المعرفة الإجرائيّة التي يستعملها المرء في حياته، وأيضًا من وجوه الاختلاف بين الذاكرة الضمنية والصريحة أنّ الضمنيّة تكون ثابتةً أكثر وتدوم مدّة أطول من الذاكرة الصريحة فاحتمال النسيان فيها أقل من غيرها، وفيما يأتي وقفة مع الذاكرة الإجرائيّة التي هي أشهر أشكال الذاكرة الضمنية.[٨]


الذاكرة الإجرائية

وهي فرع من فروع الذاكرة الضمنيّة وتُعدّ النوع الأشهر لها، وهي بذلك تكون جزءًا من أجزاء الذاكرة طويلة المدى، ومهمّة هذه الذاكرة يمكن تلخيصها بالقول: إنّها ذاكرةُ معرفة كيفيّة فعل الأشياء، وبفضل هذه الذاكرة يستطيع الإنسان معرفة كيفية أداء أنواع مختلفة من المهام لا شعوريًّا ومن دون وعيٍ واعٍ لهذه الأمور والمهام، كالقيادة والعزف على البيانو أو أيّ آلة موسيقيّة أخرى أو ركوب درّاجة أو غير ذلك، فهنا لا يحتاج المرء إلى الغوص في ثنايا الذاكرة لتذكّر كيفيّة فعل هذا الأمر.[٩]


وتعمل هذه الذاكرة على توجيه سلوك الفرد الذي يجري دون مستوى الوعي الذاتي، ولكن عند الحاجة يمكن لهذه الذاكرة أن تستردَّ الذكريات الإجرائية تلقائيًّا ومن ثمّ تستخدمها لتنفيذ الإجراءات المتكاملة التي لها علاقة بالمهارات المعرفيّة والحركيّة كافّة من دونما حاجة للاهتمام أو التحكم الواعي، والذاكرة الإجرائيّة تتشكّل من خلال التعلّم الإجرائي أو من خلال تكرير الأنشطة المعقّدة كثيرًا لكي تعمل كلّ الأنظمة العصبيّة ذات الصلة بتلك الأنشطة من أجل إنتاج النشاط تلقائيًّا، ويمكن القول ختامًا إنّ التّعلّم الإجرائي الضّمني -يعني الذي يكون ضمن الذاكرة الإجرائية الضمنيّة- هو أمرٌ ضروريٌّ وفعّالٌ لتطوير أيّ مهارة حركيّة كانت، أو أيّ نشاط إدراكي.[٩]


ما هي آلية عمل الذاكرة البشرية؟

إنّ الناس كانوا ينظرون إلى الذاكرة قديمًا على أنّها تشبه المكتبة الضخمة برفٍّ واحدٍ وعليه عددٌ ضخمٌ جدًّا من الكتب والمجلدات، ولكن حين تقدَّمَ العلمُ في جميع النواحي وصار الناس يدركون كثيرًا عن الذاكرة البشريّة وعملها صار تصوّرهم عن الذاكرة مختلفًا ولا يشبه تصوّراتهم الماضية، فصار يمكن أن يُقال إنّ الذاكرة تقع في أجزاء متعدّدة من الدّماغ البشري لا في مكانٍ واحد.[١٠]


وببساطة يمكن القول إنّ الذاكرة البشريّة تعني القدرة على تخزين المعلومات وتسجيلها واسترجاعها عند الحاجة إليها، وهذه العناصر الثلاثة في الذاكرة البشريّة -أي التسجيل والتخزين والاسترجاع- هي العناصر الرئيسة المكوّنة للذّاكرة البشريّة، فعمليّة تسجيل المعلومات في الذاكرة تبدأ مع إدراك الفرد للمحفّزات الخارجيّة عن طريق الحواس، فهناك تبدأ عمليّة صنع الذكريات مع انتباه الفرد للأمور المهمّة.[١٠]


ثمّ تأتي عمليّة تخزين المعلومات وقوام هذه العمليّة هو الاحتفاظ بالمعلومات المكتسبة في الدماغ، والمرحلة الثالثة هي مرحلة الاسترجاع، ويعني هذا المصطلح إعادة الوصول إلى أحداث أو معلومات اكتسبها الدماغ في الماضي، وبالإضافة للعناصر الثلاثة التي تشكّل قوام الذاكرة هنالك ما يُعرف بتعزيز الذاكرة، وهذا الجزء إمّا أن يُعَدَّ جزءًا من عمليّة ترميز المعلومات، وإمّا أن يُعَدَّ جزءًا من عمليّة تخزين المعلومات، وفي الحالين تُعامل هذه العمليّة -تعزيز الذاكرة- معاملةً منفصلةً عن غيرها بوصفها جزءًا مستقلًّا في عمليّة التذكّر.[١٠]

المراجع[+]

  1. "ذاكرة"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-12. بتصرّف.
  2. "ما هي أنواع الذاكرة"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-12. بتصرّف.
  3. "الذاكرة _ عملية التذكر"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-12. بتصرّف.
  4. أ. د. عدنان يوسف العتوم (2012)، علم النفس المعرفي (الطبعة 3)، عمان - الأردن:دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، صفحة 128. بتصرّف.
  5. "الذاكرة البشرية: ما هي أنواعها؟ وكيف تعمل؟"، www.ida2at.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-12. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح خ "ذاكرة صريحة"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-13. بتصرّف.
  7. "ذاكرة ضمنية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-13. بتصرّف.
  8. "دور الذاكرة"، www.hindawi.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-13. بتصرّف.
  9. ^ أ ب "ذاكرة إجرائية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-13. بتصرّف.
  10. ^ أ ب ت "الذاكرة البشرية: ما هي أنواعها؟ وكيف تعمل؟"، www.ida2at.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-13. بتصرّف.