التعليل النحوي عند المبرد: شرحه وأمثلة توضيحية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:١٨ ، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٠
التعليل النحوي عند المبرد: شرحه وأمثلة توضيحية

أبو العباس المبرد

من هم شيوخ المبرّد؟

هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، الإمام النحوي الأخباريّ صاحب المؤلّفات الكثيرة، ولد في البصرة في أرض العراق عام 210هـ زمان الدولة العبّاسيّة، وكان من أئمّة النحو والبلاغة واللغة والنّقد، وقد تلقّى العلم عن عدد كبير من أئمّة اللغة والنحو والأدب وغير ذلك كابن إسحاق الجرمي وابن عثمان المازني، وتردّد كثيرًا على الجاحظ وسمع منه وروى عنه، وأيضًا من شيوخه أبو حاتم السجستاني العالم المعروف، وأخذ أيضًا عن التوزي الذي هو من أعلم الناس بالشّعر في عصره،[١] وأخذ عنه العلم تلامذة كُثُر منهم أبو بكر الصولي والزجّاج وابن السرّاج ونفطويه والأخفش الأصغر وابن درستويه وغيرهم،[٢] وفي تسميته بالمبرّد خلاف بين من يراه بفتح الراء؛ أي: المبرَّد، وبين من يراه بالكسر، وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، وتذهب بعض الآراء إلى أنّه سمّي بذلك لقوّة حجّته، وقيل غير ذلك،[٣] وقد مات سنة 286هـ، وسيقف المقال فيما يأتي مع قضية التعليل النحوي عند المبرد.[٤]

التعليل النحوي عند المبرد

ماذا يعني مصطلح التعليل النحويّ؟

قبل الشروع في الحديث على التعليل النحوي عند المبرد ينبغي الوقوف على التعليل النحوي من حيث المفهوم والماهيّة، فمعنى التعليل النحوي في اللغة يأتي من معنى السقاية وجني الثمار مرّة فأخرى، وأيضًا من معاني العِلّة المرض والضّعف،[٥] وأمّا في الاصطلاح فهو بيان علّة الشيء وسببه، "ويُطلق على ما يُستدل فيه من العلة على المعلول" كما يرى أبو البقاء الكفوي، والتعليل في النحو هو بيان علة الإعراب والبناء مطلقًا وخصوصًا، وذلك كلّه بحسب الأصول العامة لعلم النحو، فمن هنا يمكن القول إنّ التعليل في علم النحو هو كشفٌ عن المُراد من اللفظ، سواء كان ظاهرًا في المُراد أم غير ظاهر.[٦]

فديدن العقل البشري هو الفهم عن طريق تفسير سبب حدوث الأشياء، والنفوس البشريّة -كما حكى أبو البقاء العكبري- مجبولة على الاستئناس بثبوت بثبوت الأحكام للعلل، فالعلّة النحويّة يمكن القول عنها باختصار إنّها تقديم التفسيرات للظواهر اللغويّة، ثمّ النّفاذ إلى ما وراء تلك الظواهر مع شرح الأسباب التي صيّرتها على ما هي عليه، ويمتدّ الأمر في أكثر الأحيان إلى الغوص في الحقائق اللغويّة.[٦]

وقد قسّم القدماء العلل النحوية ثلاثة أصناف، فمثلًا يرى النّحويّ الزجّاجيّ أنّها تنقسم إلى علل تعليميّة وقياسيّة وجدليّة، وأيضًا من جهة الحكم لا يمكن القول عن العلة النحويّة إنّها صنف واحد، بل يرى الناظر من بعيد أنّ العلة النحويّة قد قسّمها العلماء صنفين: العلّة المجوّزة والعلّة الموجبة، فمثلًا العرب تقلب الحروف الصحيحة إلى حروف أخرى لعلّة استثقال نطقها من غير سببٍ يوجبُ هذا القلبَ إلّا أنّهم قد استثقلوا هذا النطق.[٧]

وترتكز العلّة النحويّة على عدّة أمور منها القياس وكثرة الاستعمال وإيثار الخفّة والعوض والعدل والالتباس وطول الكلام والمعنى والتوهّم والاستغناء وغير ذلك، ويمكن تقسيم التعليل النحوي من حيث المراحل التي قد مرّ بها في النحو العربي إلى أربعة أقسام هي:[٧]

  • مرحلة النشوء والتكوين: والتي تبدأ مع ظهور النحو العربي وحتى مجيء الخليل بن أحمد الفراهيدي.
  • مرحلة النمو والارتقاء: وتبدأ هذه المرحلة مع مجيء الخليل.
  • مرحلة النضج والازدهار: ويمكن القول إنّها أتت مع ابن السرّاج وأبي البقاء العكبري.
  • مرحلة المراجعة والاستقرار: وفي هذه المرحلة كان النحاة يعملون على مراجعة العلل والترجيح بينها، وهذا التقسيم ليس دقيقًا جدًّا؛ فقد يكون واحد من النحاة في مرحلة متقدّمة زمنيًّا ولكنّه قد يكون يعمل بعمل نحاة المرحلة السابقة لها من حيث الزمن.

وقد كان المبرّد من النّحاة اللامعين في المرحلة الثانية حتّى إنّهم يصفونه بحامل لواء التعليل في هذه المرحلة، فكان يلجأ -كثيرًا- إلى طريقة الأسئلة والأجوبة في تقريره للأحكام النّحوية، فكان يُقرّ الحكم النحوي وبعد قليل يعود فيبطله بحكم نحْويّ آخر إلى أن يرسو على حال تؤيّد ما ذهب إليه، وقد كان قويّ الحُجّة وله مناظرات وخصومات ونقاشات مع نحاة كُثُر لعلّ أبرزهم ثعلب النحوي المعروف.[٨]

وقد كان المبرّد من الذين هاجموا كتاب سيبويه؛ فقد جمع أقوال النحاة الذين سبقوه إلى كتاب سيبويه كالأخفش والمازني والجرمي وغيرهم، وكان أولئك النحاة قد "غلّطوا" سيبويه إمام النحاة، وأضاف المبرد لهذه المسائل مسائل من وضعه هو، وجمعها في كتاب أسماه "مسائل الغلط"، فأثار ذلك العمل حفيظة بعض النحاة الذين هاجموه وألّفوا كتبًا في الردّ عليه، ومنهم ابن جنّي وأبو علي الفارسي وأبو سعيد السيرافي وأبو عليّ القالي وابن درستويه وابن ولّاد وغيرهم.[٩]

فقد وقف المبرّد على كتاب سيبويه ودقّق فيه من ناحية المادّة المستقرأة ومن ناحية الأحكام المبنيّة على هذه المادة، وأيضًا دقّق بالعلل الرابطة بينها فكان كتابه أشبه بمراجعة سريعة لكتاب سيبويه، فوجد انّ المادّة التي وقف عليها فيها أمور يعدّها المبرّد من الأخطاء الفاحشة؛ إذ قد يجد روايةً تتعارض مع رواية أخرى تعارضًا يدفع العالم إلى ردّ الرواية الأولى.[١٠]

أمّا من ناحية المعايير النحويّة فقد ذهب المبرّد إلى أنّ المعايير النحويّة يجب أن تكون ثابتة تعتمد على الربط العقلي بين الأحكام النحوية والتصوّر النّظري لها؛ فقد ربط الحكم النحوي والنظريّة النّحْويّة بالعلل العقليّة المناسبة والموافقة لتصوّره، وفي الفقرة التالية يتوقّف المقال مع بعض الأمثلة التي توضّح مذهب التعليل النحوي الذي انتهجه المبرّد.[١٠]

أمثلة توضيحية على التعليل النحوي عند المبرد

ماذا قال المبرّد في باب إضافة العدد؟

إنّ العلل النحويّة قد خضعت منذ القرن الرابع الهجريّ -وربّما قبل ذلك- لتأثير علم المنطق والكلام والشريعة الإسلاميّة؛ ذلك أنّ النّحو قد خضع كذلك لتلك العلوم، فقد كان النّحاة يدافعون عن آرائهم ويدفعون عنها بالحجج المنطقيّة والبراهين العقليّة، ومنهم كان الإمام المبرّد الذي يروي عنه الزجّاج -وهو تلميذ من تلامذة المبرد- أنّه لمّا قدم المبرّد إلى بغداد ذهب إليه ليناظره في النحو، فكان المبرّد يردّ بالحجج يطلب عللًا لكلام الزجّاج وبذلك قد ألجَمَ المبرّد الزجّاج في تلك المناظرة، وعلى ذلك يعلّق الأستاذ العلّامة الدّمشقي مازن المبارك بأنّ علل النّحو قد غدت مع نهاية القرن الثالث الهجري موضوعًا ذا قيمة "ترمقه أنظار النّحاة ويكتبون فيه، ويتخذون منه وسيلةَ امتحانٍ واختبار"،[١١] وأمثلة التعليل النحوي عند المبرد تأتي تاليًا:

  • يرى المبرّد أنّ الأفعال يجب أن تكون مبنيّة، وإنّما أُعرِبَ الفعل المضارع لمضارعته الأسماء؛ أي: لمشابهته، والمضارع تعني المُشابهة، ولولا ذلك الشبه لم يُعرب هذا الفعل ولبقي مبنيًّا حاله حال الفعل الماضي وفعل الأمر،[١٢] فكان يقول إنّ الأفعال التي أُعربَت هي الأفعال التي دخلت عليها زائدة من الزوائد الأربع، ويُريد حروف المضارعة المجموعة في كلمة أنيت.[١٣]
  • في باب إضافة العدد واختلاف النحاة يرى المبرّد أنّ القول بتعريف العدد بإدخال ال التعريف عليه هو قول باطلٌ وإن قال به نحاة البصرة، وذلك عند سواء في العدد المضاف والمُركّب، فيرى أنّ الذين يقولون: أخذَ فلان الثلاثة الدراهم، أو الخمسة عشرة درهم، أو الخمسة العشرة درهم، أو العشرين الدرهم يرى أنّهم قد أخطؤوا خطأ فاحشًا وإن نُقِلَ ذلك عن بعض العرب.[١١]

فالقياس على خلاف ذلك وما نُقل عن العرب الفُصحاء كذلك خلاف ما ذهب إليه من أفتى بجواز هذا القول، فهو بذلك يدفع هذه الرواية برواية مثلها، والقياس عنده أنّه "لا يضاف ما فيه الألف واللام من غير الأسماء المشتقة من الأفعال"، ويُريد أنّ ال التعريف لا تدخل على المضاف في غير الإضافة غير المحضة وفي المواضع التي قد نبّه عليها النحاة.[١٤]

  • خالف المبرّد سيبويه إمام النحاة في بعض المواضع، ومنها أنّ سيبويه كان يرى أنّ الميم في قولهم: اللهمَّ هي بدل من يا النداء، والتقدير عنده: يا الله، وكان يرى أنّ الميم المُلحقة بهذه الكلمة هي عبارة عن صوت وليست حرفًا ولا اسمًا، وعليه فقد قال سيبويه إنّ كلمة "فاطر" في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[١٥] هي منادى بأداة نداء محذوفة، والتقدير: يا الله يا فاطر، ولا يجوز عند سيبويه أن تكون صفة لاسم الجلالة.[١٦]
فذهب المبرّد إلى أنّ كلام سيبويه خطأ وصوابه أن تكون كلمة فاطر صفةً؛ لأنّ الميم المشدّدة إذا كانت للنداء فعندها يكون تقدير الكلام: يا الله فاطر السماوات، ففاطر هي صفة لاسم الجلالة وليس كما ذهب سيبويه، وبذلك يكون هذا المقال قد أحاط -ولو قليلًا- بمفهوم التعليل النحوي، ويكون قد وقف على التعليل النحوي عند المبرد وبعض آرائه النحويّة وطريقته في التفكير والمُحاججة، والله أعلم.[١٦]

المراجع[+]

  1. "المبرد"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  2. "المبرد"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  3. "المُـبَـرِّد أم المُـبَـرَّد؟ بفتح الراء أم بكسرها؟"، www.diwanalarab.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  4. "سير أعلام النبلاء - الطبقة السادسة عشرة - المبرد"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  5. "تعريف و معنى التعليل في معجم المعاني الجامع"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-19. بتصرّف.
  6. ^ أ ب د. ريما أحمد الكبير، "التعليل النحوي بين الوصف والغاية في ضوء علم اللغة الحديث"، مجلة العلوم الشرعية، العدد 6، صفحة 61. بتصرّف.
  7. ^ أ ب د. ريما أحمد الكبير، "التعليل النحوي بين الوصف والغاية في ضوء علم اللغة الحديث"، مجلة العلوم الشرعية، العدد 6، صفحة 63. بتصرّف.
  8. د. الجيلي عبد العال إدريس عمر، العلل النحوية بين القدماء والمُحدثين وأثرها في تجديد النحو وتيسيره دراسة تحليلية مقارنة، صفحة 197. بتصرّف.
  9. أحمد بن محمد بن ولّاد التميمي (1996)، الانتصار لسيبويه على المبرد (الطبعة 1)، بيروت:مؤسسة الرسالة، صفحة 6. بتصرّف.
  10. ^ أ ب د. حسن خميس سعيد الملخ (2000)، نظرية التعليل في النحو العربي بين القدماء والمُحدثين (الطبعة 1)، عمان - الأردن:دار الشروق للنشر والتوزيع، صفحة 44. بتصرّف.
  11. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين في جامعة المدينة العالميّة، أصول النحو 2، صفحة 36. بتصرّف.
  12. د. حسن خميس سعيد الملخ (2000)، نظرية التعليل في النحو العربي بين القدماء والمُحدثين (الطبعة 1)، عمان - الأردن:دار الشروق، صفحة 45. بتصرّف.
  13. مجموعة من المؤلفين في جامعة المدينة العالمية، أصول النحو 2، صفحة 33. بتصرّف.
  14. مجموعة من المؤلفين في جامعة المدينة العالميّة، أصول النحو 2، صفحة 33. بتصرّف.
  15. سورة الزمر، آية:46
  16. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين في جامعة المدينة العالميّة، أصول النحو 2، صفحة 34. بتصرّف.